قصص قصيرة

ضحية نفسي بقلم نورهان العشري

ومشت، أو يلاقيها مستنياه بسكينة! فكرة إن إيمان الهادية المطوعة، تكون عرفت خيانته وجوازته التانية بالسر، كانت كفيلة تخليه يتجنن.
فتح باب الشقة بالمفتاح وإيده بترتعش، ودخل وقفل الباب وراه براحة وهو بينهج كأنه كان في سباق.. الشقة كانت هادية أوي والأنوار مطفية إلا نور خفيف طالع من أوضتنا
أخد نفس طويل عشان يجمع شتات نفسه، ومشى بخطوات مرعوبة ومترددة لحد ما وصل لباب الأوضة، وفتحه ودخل
كنت ساندة ضهري على السرير، ماسكة رواية وبقرأ فيها بكل هدوء. كنت في قمة الجمال لابسة بيجامة ستان نبيتي شيك أوي، وفاردة شعري الأسود الطويل على كتافي، وحاطة مسكرة خفيفة وملمع شفايف مخليني زي القمر وريحة البرفيوم المالي الأوضة تخطف العقل.
مصطفى أول ما شافني قاعدة مكاني ومتشيكة ومستقرة، وقف عند الباب وبلع ريقه بصعوبة، ونظراته كانت مرعوبة، دايرة بتفحص الأوضة والدولاب عشان يشوف في شنط هدوم ملمومة ولا لأ.. عينيه كانت مليانة خوف ولهفة وندم غريب أول مرة أشوفهم فيه طول ال ١٧ سنة جواز.
قرب من السرير بخطوات مرتعشة، وقعد على الطرف وهو باصص لعيني مباشرة يحاول يقرا فيهم أي علامة للغضب أو الخيانة، وقال بصوت حذر، مهزوز، وطالع بالعافية
إيمان.. أنتِ صاحية؟
قلبت صفحة في الرواية بكل برود، ومن غير ما أرفع عيني الصراحة، قولت بنبرة ناعمة ورسمية جداً تفرس
اه يا مصطفى.. صاحية. حمد الله على السلامة.
مصطفى فرك إيديه ببعض، وصوته كان بيرتعش وهو بيحاول يرمي كلام عشان يعرف آخري إيه
الله يسلمك يا أم رؤية.. أنا.. أنا عرفت من أمي اللي حصل النهاردة.. وعرفت إنك سمعتِ كلامنا امبارح وإحنا بنتكلم ورا الباب؟
هنا بقا، رفعت عيني وبصيت له بنظرة حادة، قوية، وابتسامة غامضة خلت ركبه تسيب وعرقه يزيد.. قولت له بمنتهى الهدوء
اه يا مصطفى.. سمعت كل كلمة.. سمعتك وأنت بتقول لأمك إنك مش طماع في دهب مراتي وفلوس أمها.. وسمعت أمك وهي بتقول عليا هبلة وعبيطة والفلوس لو جريت في إيدي هتقلب عليكم!
مصطفى حبس نفسه، وعينيه رقصت برعب مستني الجملة الكبيرة. مستني أقوله وسمعتك وأنت بتقول أنا عريس وعايز أشوف اللي ورايا بس أنا كنت أذكى بكتير من إني أكشف كروتي دلوقتي.. أنا عايزة يعيش في الرعب دا، وياكله الخوف ويموت في جلدة قبل ما أصلب طوله بالدليل.
كملت كلامي ببرود قاتل
الصراحة يا مصطفى.. أنا قولت الراجل عنده كرامة وعزة نفس وعيب أطلع أنا الست الهبلة العبيطة اللي تفرض عليك فلوسها وتكسر عينك عشان كدا الفلوس دي هتروح البنك الأسبوع الجاي باسمي وباسم ولادي.. وأنت بقا ربنا يسهلك وتفك ضيقتك بمعرفتك، طالما أنت راجل ومش طمعان في حيلتي.. مش كدا بردو يا حبيبي؟
مصطفى لما لقاني مقولتش سيرة الجوازة التانية، أخد نفس طويل أوي كأن الروح ردت فيه.. حس براحة مؤقتة إن السر لسه في أمان، بس في نفس الوقت، كلماتي كوت قلبه.. الهبلة العبيطة اللي سمعها امبارح، رجعت قعدت قدامه زي الملكة، جميلة، شيك، ريحتها تجنن، وبتقوله ببرود حل مشاكلك بمعرفتك.
نزل راسه للأرض وقال بصوت مخنوق ومليان ندم ولهفة
أنا أسف يا إيمان.. أسف على كل كلمة اتقالت في حقك امبارح.. أنا صحيح قولت لأمي كدا بس عشان مظهرش صغير قدامها.. لكن وحياتك عندي أنتِ غالية عليا أوي، والبرود اللي أنتِ فيه دا بيموتني كل يوم.. ارجعي إيمان بتاعت زمان وبلاش القسوة دي..
بصيت له وقولت بابتسامة خفيفة تقهر كبريائه
زمان عدا وفات يا أبو العيال.. وإيمان الجديدة أهو أنت شايفها، مهتمية بنفسها وبيتها وولادها.. مش دا اللي كنت دايماً بتتمناه؟ يلا بقا عن إذنك عشان حاسة إني عايزة أنام وورايا بكرا مشاوير كتير مع هنا أختي.
اتعدلت في السرير وديرت وشي الناحية التانية وغمضت عيني ببرود تام. مصطفى فضل قاعد مكانه على طرف السرير كأنه صنم، يتنفس بصوت عالي وعينيه عليا بلهفة وعجز وحيرة هتاكل دماغه طول الليل.. مش عارف هل أنا فعلاً معرفتش موضوع جوازه، ولا أنا بمثل البرود دا وبطبخ له طبخة على نار هادية؟
قعد شوية ولما لقى مفيش فايدة، قام طفى النور وخرج وسمعت صوت تنهيدته اللي طالعة من قاع قلبه وهو بيرزع باب الصالة وراه.. قعدت في الضلمة وأنا ببتسم وبقول لنفسي عشت في رعبك يا مصطفى.. الخوف هياكل قلبك من هنا للأسبوع الجاي.. لحد ما المحامي يجيبلي الورق رسمي، وساعتها هقلب الطاولة عليك وعلى أمك.
مر أسبوع كامل ومصطفى عايش في نار حاميّة، الخوف من جهة والندم والغيرة اللي بتاكل في قلبه من جهة تانية. وفجر اليوم، هنا أختي جابتلي كل التفاصيل قسيمة الجواز، وعقد الشقة المفروشة باسم الهانم الجديدة، وكل حاجة متستفة بالورقة والقلم.
أول ما مصطفى دخل البيت بالليل، كنت مستنياه في الصالة. المرة دي مكنتش حاطة روج أحمر ولا لافحة وشي بالبرود، كنت لامة شعري الأسود الطويل في رفعة شيك أوي منزلة خصلات على وشي، ولابسة فستان أسود مجسم وبسيط جداً برز جمالي ونحافتي، وحاطة كحل عربي تقيل مخلي نظرة عيني حادة وقوية كأنها سيف. كنت واقفة وزي القمر، بس جمالي المرة دي كان فيه هيبة تخوف.
مصطفى أول ما دخل وشافني واقفة في نص الصالة والملف الأزرق في إيدي، خطوته ثبتت في الأرض، وقلبه اللي كان خايف منه الأسبوع كله حس بيه في اللحظة دي.. قلبه وقع في رجله بجد.
قربت منه بخطوات بطيئة وواثقة، ورميت الملف على التربيزة قدامه.. الصوت عمل رنة في الصالة الفاضية. قولتله بصوت هادي، نبرته أرعب من الزعيق
خد الورق دا يلزمك يا أبو رؤية . قسيمة جوازك من العروسة الجديدة، وعقد الشقة اللي مأجرهالها بالشيء الفلاني. دا السر اللي كنت خايف أكون سمعته ورا الباب، أهو بقا في إيدي رسمي.
مصطفى وشه بقى أصفر زي الليمونة، وعينيه زاغت في الأوضة، وبدأ يعرق ويرتعش وهو مش قادر ينطق، حب يتكلم ويقول أي كدبة بس لسانة اتعقد قدام نظرة عيني القوية.
قولتله وأنا بربع إيديا وببص له من فوق لتحت
١٧ سنة جواز يا مصطفى.. ١٧ سنة شلتك فيهم وشلت أمك فوق راسي، كنت ليك الجارية المطيعة اللي بتقول حاضر ونعم وبس، واستحملت إهاناتك وسخريتك وقرفك وقولت دا جوزي وسندي.. وفي الآخر، أول ما ربنا يكرمك بقرشين، تروح تتجوز عليا؟ وتلبسها طقم دهب بألوفات وأنا رايحة أبيع ورث أمي عشان أفك ضيقتك الكدابة؟ أنت إيه يا أخي؟ مفيش في قلبك رحمة؟
مصطفى دموعه نزلت لأول مرة في حياته، قرب مني وحاول يمسك إيدي وهو بيتنفض
إيمان.. وحياة ولادنا اسمعيني.. أنا غلطت، أنا كنت عمي وعيني زاغت والشيطان وزني، بس والله العظيم..
زقيت إيده بقوة وعين حامية وقولتله
متمسكنش يا مصطفى. أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة.. تطلقني بالمعروف، وتاخدني على المأذون زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، وأنا ولادي معايا وورث أمي معايا والحمد لله مبقتش محتاجة لراجل يكسرني ويهيني.
كلمة تطلقني نزلت على مصطفى زي الصاعقة. في الأسبوع اللي فات، وهو شايفني بضيع من إيده وبستغنى عنه، اكتشف فجأة إنه بيحبني.. حبني لما حس إني مبقتش ملكه ومبقتش في جيبه. حس إن روحه بتتسحب منه لو إيمان مشيت وسابته.
اترمى على ركبه قدامي ومسك ايدي وهو بيبكي بحرقة ويقول
طلاق لأ يا إيمان! مستحيل أطلقك.. اقطعي رقبتي، خدي كل اللي حيلتي، بس بلاش طلاق.. أنا بحبك يا إيمان ومقدرش أعيش من غيرك ولا من غير الولاد.. أنا عرفت قيمتك والله العظيم عرفت إن مفيش ست في الدنيا تسوا ضفرك.. بلاش تضيعي بيتنا وتسبيني أنا من غيرك هموت!
بصيت له وهو راكع تحت رجلي، المنظر برد ناري شوية بس مداواش اللي في قلبي بسبب خيانته. قولتله ببرود وأنا ببعد عنه
وأنا مستحيل أعيش مع راجل بيشاركني فيه ست تانية، ومستحيل أفضل قاعدة في بيت أمك الحرباية اللي كانت بتخطط عشان تسرق دهبي وفلوسي وتديهملك لشبكة الهانم.. أنا كرهت البيت دا وكرهت عيشتي فيه.
مصطفى رفع راسه بسرعة وعينيه مليانة رجاء ولهفة وقال
اللي أنتِ عايزاه هيتنفذ.. حالا! الست التانية دي هطلقها.. والله العظيم هطلقها بكرا الصبح وهجيبلك ورقتها لحد عندك، أنا أصلاً مكنتش طايق نفسي معاها وكنت حاسس بالذنب البيت؟ هنقلِك في أحسن شقة تمليك باسمك وباسم أولادك بعيد عن أمي وعن المنطقة دي كلها.. بس متمشيش وتسبيني يا إيمان!
بصيت في عينيه المرعوبة من فكرة فراقي، وقولت لنفسي
أهو أنت أهو يا مصطفى.. راكع وبتتمنى الرضا، وهتطلق اللي روحت جريت وراها.
وقفت بكل كبرياء وقولتله بصوت حاسم
ماشي يا مصطفى.. قدامك مهلة.. ورقة طلاق الست دي تجيلي، وعقد الشقة الجديدة يتكتب باسمي، ولحد ما دا يحصل.. أنت في أوضة وأنا في أوضة، وملمحش طيفك جنبي.. ومفيش مليم من فلوسي أو دهبي هتشوفه، شقتك الجديدة دي وعفشها من مالك أنت، عشان تعوضني عن ال ١٧ سنة اللي ضاعوا من عمري.. موافق؟
مصطفى مسح دموعه بسرعة وقام وقف وهو مش مصدق إني اديتله فرصة، وقال بلهفة
موافق.. موافق على كل شروطك يا أم رؤية.. وحياتك عندي من بكرا كل حاجة هتتغير، وهتشوفي مصطفى تاني خالص تحت أمرك.
سيبته واقف في الصالة مكسور ومطفي، ودخلت أوضتي وقفلت الباب.. بصيت لنفسي في المراية وابتسمت ابتسامة النصر الحقيقية وقولت ورجعتلي راكع يا مصطفى..
و فعلا مصطفى نفذ اللي قالها عليه و بدأت تعيش حياتها صح الحياة اللي فعلا يتقال عليها حياة مش مجرد تابع لحد
تمت بقلم نورهان العشري

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى