
انا راجل متجوز وعندي مشكلة
افتكر مراته الأولى، منار. منار كانت صوتها عالي على طول، وطلباتها ما بتخلصش، وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه.
ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة.
حس بغصة في زوره، مش عارف دي ندم ولا وجع ولا ايه.
بعد ما خلصوا، لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه.
قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.”
قال: “وانتي من أهله.”
دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة، وقفل على نفسه، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.
—
في نفس الليلة، في بيت تاني خالص في آخر البلد.
منار، طليقة مصطفى، كانت قاعدة على السرير في أوضة نومها في بيت أبوها، ماسكة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي الستات نزلوها على فيسبوك.
كانت هتموت من الغيظ، وشها أحمر وعينيها بتطلع نار.
أمها دخلت عليها قالت: “بطلي تقليب في النيلة دي، هيجيلك نقطة.”
منار رمت التليفون على السرير وصرخت: “شفتي البت اللي اتجوزها؟ دي عيلة صغيرة قد بنته! جابها عشان يغيظني!”
أمها قالت: “ما يغور، هو الخسران.”
منار قامت وقفت وبصت في المراية، وقالت بصوت كله غل وخوف: “أنا خايفة يا أمه… خايفة البت دي تحمل.”
أمها سكتت.
منار كمّلت وهي إيديها بتترعش: “لو البت دي حملت من مصطفى، كدبتي هتتكشف قدام البلد كلها. كله هيعرف إن أنا اللي ما بخلفش، مش هو.”
فتحت درج الكومودينو وطلعت منه ورقتين تحاليل قدام. واحدة باسم مصطفى عز العرب، والتانية باسمها هي منار.
بصت لورقة مصطفى، النتيجة فيها سليمة زي الفل. وبصت لورقتها هي، مكتوب فيها
منار هي اللي كانت ما بتخلفش من الأول. وهي اللي راحت في النتايج، عشان تقنع مصطفى إن العيب منه هو، عشان ما يطلقهاش ويرميها. ولما زهق من الزن والنكد وطلقها في لحظة غضب، طلعت تجري في البلد تقول العيب منه عشان تداري على فضيحتها، وعشان محدش يرضى يتجوزها بعد كده ويعرف إنها عاقر.
رمت الورق في الدرج تاني وقفلت عليه، وقالت وهي بتجز على سنانها: “والله ما هسيبها تتهنى بيه. لو البت دي فكرت تحمل، أنا اللي هخليها تندم إنها دخلت البلد دي برجليها.”
أول أسبوعين عدوا في شقة مصطفى عز العرب، فوق محل الدهب في المنيا، كأنهم عمر تاني خالص.
مصطفى لسه بينام في الأوضة الصغيرة، على الكنبة اللي قلبها سرير، وعايدة بتنام في الأوضة الكبيرة لوحدها. الاتفاق زي ما هو، على الورق. إنما اللي بينهم جوه الشقة، ما كانش ليه أي علاقة بالاتفاق ده.
عايدة قلبت الشقة دي بيت بجد. في أول يومين كانت مسحت كل ركن، ورصت المطبخ على مزاجها، وعلقت برواز آية قرآنية كانت جايباه معاها من بيت أبوها. ريحة الأكل بقت طالعة من شقتهم طول النهار. محشي، ملوخية، بطاطس بالفراخ في الفرن، كيكة بالبرتقان تطلع ريحتها تقلب العمارة.
مصطفى بقى ينزل المحل الصبح وهو مستعجل يخلص اليوم. زمان كان بيقفل المحل الساعة عشرة بالليل ويقعد مع الرجالة على القهوة. دلوقتي الساعة سبعة تلاقيه قافل، طالع السلم جري، وفي إيده كيس فيه مانجا عشان عايدة بتحبها، أو شريط فيديو جديد جايبه من محل الشرايط اللي جنب الجامع.
أول ما يفتح الباب، يلاقيها مستنياه، لابسة عباية بيتي نضيفة، وشعرها ملموم، ووشها منور. تقوله: “حمدالله على السلامة يا سي مصطفى.”
الكلمة البسيطة دي كانت بتريح قلبه كله.
كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا، عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد.
“انهارده جايبالك فيلم عربي قديم، فاتن حمامة.”
“بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم، بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.”
كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة، بينهم مسافة صغيرة في الأول، وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها، وعن أيامها السودة مع مرات أبوها، وكانت بتحكي من غير شكوى، بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل، وعن أبوه الحاج عز، وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.
كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت، تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير، ربك كبير.”
عايدة كانت عايشة أسعد أيام حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان، مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع، وتجهز السهرة كأنها عيد.
ومصطفى؟ مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غريبة غيرت كل حياتهم…. يتبع في الجزء الأخير





