قصص قصيرة

طلبت مني ست عجوز أتجوزها قبل ما تموت بشهر حكايات صابرين محمد

قال بهدوء
لو لسه مش فتحت الرسالة، يبقا تيجي وتفتحها قصادي… عشان محتاج اخليك تشوف مستندات تثبت كل كلمة فيها.

تاني يوم، دخلت مكتب المحامي، فاتفاجئت إن محمود قاعد هناك، ووشه كله غضب، وأول ما شافني قال بسخرية
جاي تستلم الباقي؟
المحامي رفع إيده وقال بحزم
النهارده محدش هيتكلم غير لما الرسالة تخلص.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ بصوت الحاجة زينب.
بسم الله الرحمن الرحيم…
يا يوسف…
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا بقيت بين إيدين رب كريم، وبقيت مطمنة إن الوقت جه تعرف الحقيقة اللي أخفيتها عنك سنتين كاملين، من أول يوم شوفتك فيه داخل دار الرعاية.
وقفت أنفاسي.
يمكن دلوقتي تسأل نفسك… إزاي عرفتك؟
الحقيقة إني ما عرفتكش من أول نظرة، لكن كان فيه شبه كبير بينك وبين الصورة اللي معايا والوحمة، خلاني أطلب من المحامي يدور في الأوراق القديمة، ورا سجلات دار الأيتام، وشهادات الميلاد، وصور قديمة كنت محتفظة بيها من سنين.
صور. شهادات وقال
الحاجة زينب بدأت رحلة البحث من أول أسبوع يوسف اشتغل فيه هنا، واستمرت أكتر من شهر، لحد ما اتأكدنا بنسبة مية في المية.
ثم أكمل قراءة

الرسالة.
أحمد… ابني الوحيد… اتجوز أمك بعد وفاة زوجها، وكان عندها طفل صغير اسمه يوسف.
أحمد عمره ما شافك ابن مرات… كان بيقول قدام الناس كلها ده ابني.
وكان يحلم يربيك ويكبرك ويجوزك بإيده.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
لكن الرسالة كملت.
قبل ما أحمد يموت بأيام، مسك إيدي وقال
يا أمي… يوسف أمانة في رقبتك… أوعي تسيبيه لوحده.
أخرج المحامي ورقة صفراء قديمة.
وقال
دي وصية أحمد بخط إيده.
قرأ منها
يمكن ماكنش ابني من دمي… لكنه ابني اللي هتحاسب عليه قدام ربنا.
ماقدرتش أرفع عيني.
حسيت إن في أب عمري ما عرفته…
كان فعلًا بيحبني.
ثم أكمل المحامي.
بعد وفاة أحمد، اتجوزت أمك، لكن زوجها الجديد رفض وجودك، وبعد شهور قليلة أخدك، ووداك دار أيتام من غير ما حد يعرف، ولما وصلت أجري عليك… كنت اختفيت.
وسكت لحظة.
ثم أكمل.
فضلت ألف بين دور الأيتام، وأسأل، وأدفع، وأدور عليك أكتر من عشرين سنة… وكل مرة كنت أوصل لطرف خيط، كان يضيع مني من جديد.
كانت كل كلمة بتنزل على قلبي كأنها عمر كامل من الوجع.
ثم جاءت الجملة التي انتظرتها طوال حياتي.
لما شفتك في دار الرعاية،

ما جريتش أقولك الحقيقة وقولت لازم اتأكد الاول وكمان لأني كنت عايزة أعرف يوسف الإنسان… مش يوسف الوريث.
كنت عايزة أشوف الراجل اللي رباه أحمد، قبل ما يعرف إن عنده ست كبيرة ممكن تسيبله مال.
ولو كنت طماع كنت هتظهر على حقيقتك لوحدك.
ثم أكمل المحامي الصفحة الأخيرة.
أما ليه طلبت منك الجواز… فالإجابة إن محمود كان مستني موتي من سنين.
وكان أول ما أموت هيبدأ يطعن في كل تصرف عملته، ويحاول يوقف تنفيذ وصيتي، ويجمّد إدارة دار الرعاية، لحد ما يبيعها ويقسم تمنها.
وأنا ماكنتش خايفة على الفلوس… كنت خايفة على الناس اللي عايشين فيها.
علشان كده، خلال الشهر اللي عشته بعد جوازنا، بعت جزءًا من ممتلكاتي بإرادتي الكاملة، وسددت ديون الدار كلها، وأنشأت صندوقًا ماليًا يكفي تشغيلها سنوات طويلة، وكتبت لك هبات موثقة تؤمّن مستقبلك، بعيدًا عن أي ميراث يمكن حد يطعن عليه.
أما الدار نفسها… ففضلت وقفًا خيريًا كما أرادها زوجي، وعينتك مديرًا وأمينًا عليها، لأني عرفت خلال الشهر اللي عشتهم معاك إنك الراجل الوحيد اللي هيحافظ عليها، وهيحافظ على كرامة كل عجوز لجأ لها.
أما

عقد جوازنا… فما طلبتوش علشان الفلوس، ولا علشان تورثني… طلبته علشان لما أغمض عيني للمرة الأخيرة، أبقى مطمنة إن اللي هيستلم مفاتيح الرسالة… هو إنسان اعتبرته ابني قبل ما يبقى جوزي.
أنهى المحامي الرسالة، ثم وضع أمام محمود العقود الرسمية، وإيصالات سداد الديون، وعقود الهبات، وقرار تعيين يوسف مديرًا للدار.
نظر محمود في الأوراق واحدًا تلو الآخر، ثم أدرك أنه لم يعد يملك شيئًا يستطيع الطعن عليه.
خرج من المكتب صامتًا…
بينما بقيت أنا أحدق في صورة أحمد، وأردد لأول مرة بصوت خرج من أعماق قلبي
سامحني يا أبي… اتأخرت عليك عمرًا كاملًا.
وبعد عام، وأنا أجلس لأول مرة على المكتب الذي كانت تجلس خلفه الحاجة زينب، فتحت درجًا صغيرًا لم يكن أحد يعرف بوجوده، فوجدت ورقة مطوية كتبت في آخر أيامها.
فتحتها…
وكان مكتوبًا فيها
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الدار لسه عامرة بأهلها… ويبقى أنا فعلًا عرفت أختار الراجل اللي أحمد كان هيبقى فخور بيه.
في اللحظة دي، سمعت صوت أحد كبار السن يناديني من آخر الممر
يا ابني… ممكن تساعدني؟
ابتسمت رغم دموعي، وقمت أجري عليه،

وأنا برد لأول مرة في حياتي من قلبي كله
أيوه يا حاج… حاضر.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى