روايات

حكايات زهره الربيع 4

حضنت ابني بكل قوتي، وحطيت إيدي على بق أمي عشان متصرخش.. والباب بدأ يتخبط عليه تلات خبطات ورا بعض، خبطات قوية ومنتظمة.. وصوت راجل غريب من ورا الباب قال بنبرة هادية وبترعب: “افتحي يا مدام شيماء.. الكابتن شريف بيمسي عليكي، وجايبلك الأمانة اللي سيبتيها مع المحامي”!

النفس قطع جوايا، والضلمة حوّلت الشقة لقبر مقفول علينا. أمي كانت بتترعش تحت إيدي، وابني “شريف الصغير” وزي ما يكون حس برعب اللحظة، سكت تماماً وكتم أنينه في حضني. الخبطات على الباب رجعت تاني.. تلات خبطات ورا بعض، بنفس الهدوء المرعب والانتظام اللي يقطع الخلف.

الصوت من ورا الباب رجع يتكلم، بس المرة دي كان أقرب، كأنه حاطط بقه في خرم الباب: “أنا عارف إنك جوة يا مدام شيماء، وسامع نفسِك.. افتحي بالذوق وبلاش نعمل شوشرة في الحتة، الأمانة لازم تستلميها يد بيد”.

كنت بين خيارين؛ إما أموت من الرعب وأستنى الباب يتكسر علينا، أو أقف على رجلي عشان الحتة اللحم اللي متعلقة في رقبتي. شيلت إيدي من على بق أمي وهمست في ودها: “ادخلي الأوضة جوة واقفلي على نفسك.. متخرجيش مهما حصل”. زقيت أمي بالراحة، وأخدت نفسي، وقربت من الباب وأنا حاطة ابني على دراعي الشمال، وإيدي اليمين بترتعش على الترباس.

سألت بصوت حاولت أخليه قوي بس كان مخنوق: “أمانة إيه؟ ومين الكابتن شريف ده؟ أنا معرفش حد بالاسم ده، والبيت ملوش رجالة.. امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الشارع!”.

الراجل ورا الباب ضحك ضحكة واطية، ضحكة خلت شعري يقف، وقال: “تلمي الشارع؟ الشارع كله نايم يا مدام، والبواب تحت نايم نومة مش هيصحى منها قبل بكره العصر.. افتحي، المحامي بتاعك باعك في أول محطة عشان يشتري روحه، والورق اللي كان في الخزنة بقى في جيبنا.. افتحي عشان نخلص”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المحامي باعني! الورق اللي كان المفروض يحميني بقى معاهم! في اللحظة دي، عرفت إن مفيش مفر، وإن شريف وطليقته والشبكة دي مش هيسيبوني أعيش. الشيطان اللي كان بيحرّكني زمان عشان أخرب بيت جارتي وأسرق جوزها، اختفى، وحل محله غريزة أم بتدافع عن ابنها العاجز.

لمحت في الضلمة، على الترابيزة اللي جمب الباب، مقص حديد كبير بتاع أمي.. مديت إيدي وأخدته بالراحة واستخبيته ورا ضهر ابني. فتحت القفل، ونزلت الترباس، وفتحت الباب مواربة.

الضوء الضعيف اللي جاي من السلم نور وش الراجل.. كان طويل، لابس قميص أسود، وعينيه باردة زي عيون التماسيح، مفيش فيها أي رحمة. أول ما الباب اتفتح، زقه بركبته ودخل الشقة، وقفل الباب وراه بظهره. بص للواد اللي في حضني بنظرة قرف، وطلع من جيبه ظرف أسود كبير، ورماه على الترابيزة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى