قصص قصيرة

السر

في نفس الهيئة لفترة قصيرة قبل الحاډثة.

اڼفجرت فريدة بالبكاء، بكاء مرير هز أركان البيت القديم. بكاء امرأة اكتشفت أنها عاشت عقوداً تستنزف رجلاً حمل عنها وعن غيرها وزراً لم يكن وزره المباشر، بل وزر حبه الأعمى لي ولعائلتي.

وقفتُ على قدميّ المرتجفتين، واقتربت منها. مسكت يديها اللتين جففت فيهما السنون، وقلت لها بصوت مكسور سامح ماټ… بس الأمانة والذنب ما ماتوش. إذا كان أخي هو اللي دمر حياتك، وسامح هو اللي شال السر علشان يحميني… فأنا اللي فاضلة علشان أردلك اعتبارك. كل جنيه دفعهولك سامح من أ قوتنا كان حقك، وكل خطوة مشيتها في مظلمتك كانت بسببي أنا وعيلتي.

نظرت إليّ فريدة بعيون مغرورقة بالدموع وقالت سامح كتب في آخر السطر كلمة أخيرة ليكي يا هدى… كاتبلك يا هدى، أنا اخترت أشيل الخطية علشان تفضلي شايفاني بطل، وعشان تفضل عيلتك مرفوعة الراس… سامحيني إن كنت خبيت عليكي، وسامحي فريدة لأنها ضحېة حبنا اللي اتدفع تمنه غالي.

جلستُ على أطراف

الفراش في ذلك البيت الغريب، وأمسكت الأوراق التي خطها قلم زوجي الراحل قبل ساعات من أن تفيض روحه إلى بارئها. كان كل حرف في الرسالة ينبض بالألم والتمزق الذي عاشه لثلاثة عقود. رجل عاش بشخصيتين الزوج الصادق المحب في بيتي، والمسؤول المذنب الملتزم بالتعويض في بيت هذه المرأة.

قضيت مع فريدة بقية اليوم. لم نعد غريبتين، بل أصبحت تجمعنا رابطة ملطخة بالدموع والتضحيات. حكت لي كيف كان سامح يزورها كل شهر، يحضر لها المؤن، يدفع إيجار شقتها، ويجلس على ذلك الكرسي الخشب ليدون احتياجاتها، دون أن يجرؤ على النظر في عينيها مباشرة من ثقل الخجل والذنب الذي كان يحمله.

وقالت لي فريدة كان ديماً يقول لي يا فريدة، حقك عليا في الدنيا، وفي الآخرة اطلبي مني اللي أنتِ عايزاه بس ادعي ل هدى إن ربنا يحفظها وما تشوفش يوم وحش.

في تلك اللحظة، أدركت الحجم الحقيقي لحب سامح لي. لم يكن حباً عادياً كالذي نراه في الأفلام، بل كان حباً مدمراً، جرف في طريقه العدالة، ودفع هو

ثمنه من صحته وراحة باله، حتى التهمه السړطان في النهاية من شدة ما كتم في صدره من أسرار وركامات.

عندما حلت الظلمة، عدت إلى سيارتي وسلكت طريق العودة إلى بيتي في القاهرة. كان الطريق خالياً، وأضواء السيارات المتقاطعة تلمع كشريط الذكريات. لم أعد أرى سامح مجرد زوج متوفى، بل رأيته كائناً تراجيدياً عاش يحمل صليباً ثقيلاً من أجل إبقائي ابتسامتي ناصعة، وحماية سمعة عائلة لم تكن تستحق كل هذا الفداء.

عندما دخلت شقتنا الفارغة، ذهبت إلى غرفته، وفتحت درج الكومودينو الذي خرج منه الظرف. لمست الخشب البارد، واسترجعت نبرة صوته وهو يقول مهما حصل ما تفتحيهوش.

الآن فقط فهمت لماذا لم يردني أن أفتحه. لم يكن خائفاً من أن أكتشف خيانته، بل كان خائفاً من أن أكتشف جُرم أخي، وأن يسقط القناع عن ذكرياتي الجميلة مع عائلتي، وأن أعلم أنه عاش طوال عمره يتعذب من أجلي.

جلستُ على سجادة الصلاة في منتصف الليل، ورفعت يدي إلى السماء. لم أعد أدعو لسامح بالرحمة فقط، بل

دعوة رجل حمل عن الآخرين خطاياهم، وعاش مظلوماً في عين المظلومين ليبقى كبيراً في عين من أحب. وبكيت… بكيت عن أربعة وثلاثين عاماً من الغفلة، وعن الحب الذي يكون أحياناً أشد قسۏة من الخېانة.

وفي الصباح التالي، قمت بتصفية جزء من ممتلكاتي المتبقية، وأنشأت حساباً بنكياً باسم فريدة

العريان، يكفل لها حياة

كريمة حتى آخر يوم في عمرها، متعهدة بأن أواصل دفع الثمن الذي بدأه سامح، لا خجلاً ولا خوفاً، بل وفاءً للرجل الذي أحبني لدرجة أنه قبل أن يعيش مجرماً في أنظار العالم، ليبقى في نظري أنا… الزوج والنقي الوحيد.

واستمرت الأيام تمشي هادئة ومحملة بذكرى سامح. كلما نظرت إلى صورته المعلقة على جدار الصالة، لم أعد أرى مجرد ملامح هادئة لزوج رحل عن دنيانا، بل أصبحت أرى بطلاً صامتاً، خاض معركة شرسة في الخفاء، وحمل وزر غيره كي أعيش أنا في سلام. وأدركت أخيراً أن بعض الأسرار لا تُدفن مع أصحابها، بل تبقى حية لتختبر قدرتنا على العفو، والټضحية، والوفاء

لمن أحبونا بصدق.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى