قصص قصيرة

اول ما حماتى اكتشفت ان مرتبى عدى 80 الف جنيه رشا خالد

وشايلة بيتي. أنا اتعميت يا رضوى.. اتعميت وسمحتلهم يدمروا أنضف حاجة في حياتي.
بصيتله وبصيت للمحاليل اللي في إيده، وقلتله بمنتهى الصراحة
الأسف ما بيرجعش اللي اتكسر يا مصطفى. اللي حصل مش إنه غلطة لحظة غضب.. اللي حصل كشف لي معدن الناس اللي كنت عايشة معاهم. إنت ما وقفتش في وش أمك عشان بتحبها، إنت وقفت معاها عشان كنت طمعان زيها، وكنت مستخبي وراها.
مصطفى بدأ يعيط بصوت مسموع
سامحيني يا رضوى.. أرجوكي سامحيني عشان أقدر أعيش.. اعتبريها آخر حاجة تطلبيها مني وأنا هنفذها، بس ما تمشيش وأنتي شايلة مني كل الكره ده.
قربت خطوة واحدة من السرير، وبصيت في عينيه وقلتله
أنا مش شايلة منك كره يا مصطفى.. الكره بياخد طاقة، وأنت وأهلك ما تستاهلوش تاخدوا مني طاقة تانية. أنا سامحتك عشان نفسي أنا.. عشان أبدأ حياتي نظيفة ومن غير غل. بس رجوع؟ طلاقنا قضي أمره، وحياتي اللي جاية مفيهاش مكان لبيت الحاج متولي ولا لأي حد يخصه.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالبطيء..
ودخلت حماتي.
كانت ماشية ببطء شديد، ساندة على حمايا، وشها كان باين عليه الانكسار والعجز اللي ما شفتهمش فيها طول التلات سنين. أول ما شافتني واقفة، وقفت مكانها، ودموعها نزلوا على خدها بقلة حيلة.
قربت مني بخطوات ثقيلة، ولأول مرة في حياتها.. رفعت إيدها الثمانين المرتعشة، وكانت هتمسك إيدي عشان تبوسها وتستسمحني!
الجزء الثامن
سحبت إيدي لورا بهدوء قبل ما إيدها تلمسني. مش عناد ولا تكبر، بس لأن الحظة دي ما كانش ينفع تتلخص في مشهد درامي رخيص أو اعتذار متأخر بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
حماتي بصتلي بدموع مكسورة، وصوتها طلع مبحوح ومقطوع
سامحيني يا رضوى يا بنتي.. أنا اللي افتريت، وأنا اللي الشيطان غواني وعماني بالطمع. افتكرت إن قوة البيت ورأسي العالية بالفلوس والتسلط.. أستاهل كل اللي جرى لي، بس بلاش تخربي بيت ابني، سيبيه يعيش، مصطفى بيموت في اليوم مية مرة من بعدك.
بصيت لها بمنتهى الهدوء، النظرة اللي زمان كانت حماتي بتترجمها على إنها ضعف أو خوف، المرة دي كانت شايفاها ثبات واستغناء تام.
قلت لها بصوت واضح ومسموع للكل في الأوضة
يا طنط فايزة.. أنا مش جاية هنا عشان أسمع اعتذارات، ولا جاية عشان أطفي ناري فيكم. أنا جاية أطمن على

مصطفى كإنسان كان في يوم من الأيام جوزي، وعشان أؤكد على حاجة واحدة بس.. البيت ده ما اتخربش النهاردة، البيت ده اتخرب يوم ما حطيتوا فيه أجندة القواعد وافتكرتم إن كرامة الناس ورزقهم وتعبهم مجرد غنيمة من حقكم تأخدوها بالعافية.
مصطفى مسك طرف جلباب أمه وهو بيعيط
خلاص يا أمي.. خلاص يا أمي بلاش تذلي نفسك أكتر من كده، أنا اللي عملت في نفسي وفي بيتي كده يوم ما طوعتك وجيت على مراتي.
حمايا حط إيده على كتف حماتي وهز رأسه بقلة حيلة وقال
عندك حق يا رضوى.. العيب كان عندنا من الأول، وإحنا اللي ما عرفناش نِصونك ولا نعرف قيمتك. حقك علينا جميعاً، والورق اللي وقعناه مش هنرجع فيه، وربنا يسعدك في حياتك الجديدة ويجعلها قدم الخير عليكي.
أخت مصطفى قربت بخطوات خايفة، وطلعت من شنطتها ظرف صغير وحطته على الترابيزة جنب السرير
رضوى.. دول التمانية آلاف جنيه اللي كنت سحبتهم من كارتك زمان.. أنا بعت غواشتي النهاردة الصبح وجبتهم لك. أرجوكي خذيهم، مش عايزة يفضل ليكي عندي جنيه واحد وربنا يعلم إني ندمانة.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لها وقالت
الفلوس دي مش بتاعتي يا آنسة.. الفلوس دي كفارة لدرس اتعلمتيه، خليهم معاكي، يمكن ينفعوكِ في يوم من الأيام لما تعرفي إن القرش الحرام بييجي معاه الخراب.
سبت الظرف على الترابيزة وما لمستهوش.
لفيت وضهري للكل، وبصيت لمصطفى بصة أخيرة، كانت زي إغلاق ستارة على فصل كامل من حياتي.. فصل مليان استغلال وتضحيات مجانية، وابتداء فصل جديد عنوانه الاستقلالية والكرامة.
طلعت من باب الأوضة بخطوات ثابتة وواثقة. نزلت المستشفى، وشمس العصر كانت طالعة ودافية.
ركبت عربيتي اللي اشتريتها بفلوسي وعرقي، ودورت المحرك.
تليفوني رن، كان المحامي بتاعي.
رديت عليه أيوة يا أستاذ.
المحامي قال بابتسامة باينة في صوته
أستاذة رضوى.. صيغة الطلاق الرسمية صدرت النهاردة من المحكمة للضرر، والتنازلات كلها اتوثقت في الشهر العقاري. أنتي بقيتي حرّة رسمياً ومفيش أي ورقة أو قيد يربطك بعيلة الحاج متولي من الليلة دي.
غمضت عيني وأخدت نفس عميق.. حسيت فيه إن كل حمول السنين المرمية على كتفي اترميت في الشارع.
شكراً جداً يا أستاذ.. كده القفل اتصك.
قفلت الخط، وطلعت على الشقة الجديدة.
أول ما فتحت باب الشقة

بالمتفاح، لقيت الصالة فاضية، النور داخل من الشبابيك الكبيرة، مفيش أجندات، مفيش ناس بتفتش في الأدراج، ومفيش حد مستنيني عند الباب يحدد لي أدفع كام وأعيش إزاي.
قعدت على كرسي فردي في نص الشقة، وحطيت اللاب توب بتاعي، وفتحت ملف جديد خالص لشغلي وحياتي القادمة.
لكن وأنا بفتح اللاب توب، جاني إشعار على إيميل الشركة الرسمي..
رسالة جيلالي من مجلس إدارة الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها، وفيها قرار جديد ترقية وانتقال لفرع الشركة الرئيسي في دولة الإمارات بمنصب رئيس القطاع المالي بالكامل!
القرار كان محتاج توقيعي وموافقتي السريعة للبدء في إجراءات السفر خلال أيام..
وقفت قدام الشباك الكبير وأنا باصة لغروب الشمس، وفهمت إن ربنا لما بيقفل باب ظلم ومناهدة، بيفتح وراه أبواب واسعة من العز والنجاح اللي ما يخطرش على بال حد.
لكن السؤال اللي بقى يشغل بالي قبل ما أوقع على عقد السفر وأطوي صفحة البلد دي بالكامل..
هل عيلة الحاج متولي هيرضوا يسبوني أسافر وأبدا حياتي الجديدة في هدوء، ولا الانكسار والخراب اللي سيبته ورايا هيخليهم يعملوا المحاولة الأخيرة والأخطر لمنعي من السفر؟
الجزء التاسع والأخير
الفرصة الجديدة ما كانتش مجرد ترقية مهنية، كانت طوق نجاة وفرصة لكتابة بداية جديدة بعيداً عن المكان اللي اتظلمت فيه. وقعت العقد، وبدأت الإجراءات في كتمان شديد. ما حدش كان يعرف بالقرار غير إدارة الشركة والمحامي بتاعي اللي كان بيخلص باقي الأوراق الرسمية وقضايا القائمة والمؤخر.
قبل سفري بيومين، نزلت الشركة للمرة الأخيرة عشان أستلم أوراقي وأسلم مهام شغلي.
وأنا نازلة من الجراج، لقيت مصطفى واقف جنّب عربيتي.
كان حاسس بإن فيه حاجة اتغيرت، وجهه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء، شكله اتغير تماماً عن الراجل اللي كان بيمشي ورا أمه ببرود ويقولي عديها واستحملي.
أول ما شافني، قرب بخطوات بطيئة، ومسك إيديه بضعف وقالي بصوت مكسور
رضوى.. أنا عرفت من الشركة إنك قدمتي استقالتك ورايحة مسافرة. معقولة؟ معقولة هتسيبيني وهتمشي خالص للدرجة دي؟
وقفت في مكاني وأنا حاطة شنطتي على كتفي، وبصيت له بمنتهى الهدوء
مصطفى.. أنا ما سبتكش وهربت، أنا مشيت لما البيت ما بقاش بيت، ولما الراجل ما بقاش سند. السفر ده مش

هروب منك، السفر ده خطوتي الطبيعية للقدام.
مصطفى نزل على ركبتيه في جراج الشركة، المنظر كان يوجع القلب لراجل كبرياؤه اتكسر في الأرض، وبدأ يعيط بصوت مكتوم
أنا خسرت كل حاجة يا رضوى.. أمي من يوم المستشفى ما بتتكلمش مع حد، وقاعدة في صالتها مش بتمسك الأجندة ولا بتطيق تنطق اسمها، وأختي فسخت خطوبتها بعد ما الناس عرفوا بالمحاكم والمحاضر، وأنا.. أنا بقيت عايش زي الميت في البيت ده! ارجوكي ما تسافريش.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني اتغيرت، هسيب البيت ونعيش في أي حته تطلبيها!
بصيت له من فوق، وحسيت بمزيج من الشفقة والارتياح. الشفقة على النهاية اللي وصل لها بسبب طمعه وضعف شخصيته، والارتياح إني ما بقيتش طرف في الدراما دي.
وطيت شوية وقربت منه وقلت له بكلمات حاسمة ومحددة
مصطفى.. قوم اقف على حيلك. القوة مش إنك تترجى ست سابتك، القوة كان المفروض توريها يوم ما أمك كسرّت درجي وقالتلي هات الفيزا. الفرص بتيجي لما يكون فيه أمل في التغيير، لكن إنت وأهلك اراهنتم على كسري، والرهان خسر. اتعلم من الدرس ده لنفسك ولحياتك الجاية.. لأن رضوى خلاص، كانت صفحة وافلت للأبد.
سيبته قاعد في الجراج على الأرض، وركبت عربيتي ومشيت.
في المطار..
تاني يوم بالليل، كنت واقفه في صالة المغادرة، شايلة شنطة سفري وباصة لشاشة الرحلات. التليفون رن، كان المحامي.
أستاذة رضوى.. حبيت أطمنك إن المؤخر وحقك المالي بالكامل اتورد في حسابك البنكي النهاردة الصبح. حمايا بنفسه راح البنك وورّد المبلغ، وبعتلك رسالة معايا بيقولك فيها سامحينا يا بنتي، وربنا يوفقك في طريقك.
ابتسمت وغمضت عينيا
شكراً يا أستاذ.. شكراً على كل حاجة.
قفلت التليفون، ورميت الخط المصري في سلة المهملات بالمطار.
صعدت على الطيارة، وقعدت جنب الشباك. ولما الطيارة بدأت ترتفع فوق السحاب، بصيت للشارع وللمدينة اللي تحتيا، وحسيت بوزن جبل كامل بيتشال من فوق صدري.
عيلة الحاج متولي اتعلمت الدرس الأقسى في حياتها إن الست لما تكون مكافحة وناجحة، سكوتها وطيبتها مش ضعف ولا قلة حيلة، وإن القوة الحقيقية مش في الأجندات والكروت والسيطرة الفارغة.. القوة في الكرامة والاستغناء.
حطيت السماعات في وداني، وسندت رأسي على الكرسي وأنا بأبتسم..
لأول مرة من تلات سنين،

كانت عينايا باصة لبكرة وهي مطمنة، وواثقة إن اللي جاي أحسن وأعظم بكثير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى