
رسالة من مجهول من حكايات زهرة الربيع
على الرسالتين وحطيتها قدام وش الظابط مباشرة.
يا فندم.. أنا جالي الرسالتين دول حالاً من رقم مجهول.. مضمون الرسائل بيقول إن الشنطة اللي في إيدي دي اتحط فيها ممنوعات من غير علمي، بهدف توريطي في قضية جنائية تُجهض تعييني في النيابة! وأنا بطالب بحقي القانوني في تقديم بلاغ رسمي فوراً، وتفتيش الشنطة هنا وفي حضورك وتحت الكاميرات!
هنا
الموقف اتغير تماماً
هنا الموقف اتغير تماماً.. نظرة الظابط تحولت من مجرد استغراب لجدية صريحة. الموقف مابقاش خناقة زوجية، ده بقى بلاغ بمؤامرة وممنوعات داخل حرم المطار!
بص الظابط للرسائل بسرعة، عينيه جابت الكلام، وبعدين بص لطارق وللصاحبة الخاينة اللي كانت شفايفها بترتعش وعينيها بتلعب في الصالة شمال ويمين كأنها بتدور على خرم إبرة تستخبى فيه.
الظابط أشر لعساكر الأمن بنبرة حازمة اتفضلوا حضراتكم معايا على مكتب التفتيش الدقيق.. فوراً.
يا باشا مافيش داعي للكلام ده! طارق كان صوته بيطلع بالعافية وعرقه نازل زي المطر رغم التكييف.. إحنا ناس محترمين والشنطة مافيهاش حاجة، هي بس بتتوهم…
الظابط قطعه بصرامة الموضوع خرج من إيدك خلاص يا أستاذ.. اتفضلوا قدامي من غير شوشرة.
مشينا كلنا تحت حراسة العساكر.. طارق على يميني بيغل ومغلول، وصاحبتي على شمالي منهارة وعينيها بتتفادى عيني.. دخلنا غرفة التفتيش المغلقة، غرفة أجهزة كاميراتها في كل زاوية، وفيها منضدة استانلس كبيرة في النص.
الظابط قعد على كرسيه، وطلب حضور ضابط جمارك ومفتشة سيدة، وبصلي وقال حطي الشنطة على الترابيزة يا أستاذة.
حطيت الشنطة السودة الكبيرة وأنا حاسة إن مصيري كله بيتوزن
في اللحظة دي.. لو طلع في الشنطة حاجة، هل هعرف أثبت برائتي؟ ولو ماطلعش حاجة، هل أنا ظلمتهم وركبتني الشكوك؟ بس الرسالة كانت دقيقة جداً.. المجهول ده عارف اسمي، وعارف ترتيبي في النيابة، وعارف اسم صاحبتي!
الظابط بدأ التفتيش.. فتح السوستة الخارجية، طرد الملابس، الكروت،
المستلزمات الشخصية.. الشنطة اتفرغت تماماً على الترابيزة، ومافيش أي حاجة غريبة!
طارق اتنفس الصعداء، وبصلي بقمة الغضب والشماتة أهو! ارتحتي؟ اديكي فضحتين في المطار ودمرتي منظري عشان كلام أهبل من رقم مجهول! مبسوطة كدة؟!
صاحبتي بدأت تعيط بتمثيل خصمتيني يا ميرنا؟ بقيتي تشكي فيا أنا وطارق؟! ده إحنا كنا بنخدمك بدم ألمنا!
أنا نفسي ركبي خارت.. حسيت بدوخة، معقولة أكون اتخدعت؟ معقولة الرسالة كانت مجرد لعبة عشان تخليني أعمل الهبل ده وأشكل شكوك في جوزي؟
بس ظابط الجمارك اللي كان بيفتش الشنطة نفسها، مسك الشنطة الفاضية بإيديه الاثنين.. وهزها.
بص للظابط التاني وقال الشنطة دي وزنها أتقل من الطبيعي وهي فاضية يا فندم.
اللحظة دي.. كان فيها صوت ضربات قلبي مسموع في الأوضة كلها.
ظابط الجمارك جاب مشرط صغير، وبدأ يفحص البطانة الداخلية للشنطة.. طارق أول ما شاف المشرط، خطى خطوة لورا ناحية الباب، بس العسكري كان واقف وراه وسد عليه الطريق.
المشرط شق البطانة القماش.. وفجأة، ظهرت طبقة من الفوم المضغوط.. وتحتها، كيس بلاستيك أسود متغطي بلزق شفاف ومكبوس بعناية فائقة في الجانب الخفي بتاع الشنطة!
الصمت نزل على الأوضة زي المقبرة..
ظابط الجمارك طلع الكيس بحرص، وفتحه بالمشرط.. وظهرت بودرة بيضاء متجمعة في قوالب!
بص
ظابط المطار للكيس، وبعدين بص لطارق ولصاحبتي اللي فجأة رجليهم ما بقتش شايلاهم، وصاحبتي وقعت على الأرض من الطول!
الظابط بصلي وقال بنبرة هادية بس مرعبة شابوه ليكي يا أستاذة ميرنا.. الشنطة
فيها كمية كبيرة من مادة الهيروين المخدرة.. مجهزة باحترافية في قاع سحري.
في اللحظة دي، طارق اتهبل! صرخ وهو بيشاور على صاحبتي أنا ماليش دعوة!! هي اللي جابت الشنطة دي!! هي اللي قالتلي نشتري الشنطة دي عشان تاخد العينة وتجهزها في أوروبا! هي اللي قاطعتك وكانت عاوزة تخلص منك عشان يتعين بدالك أخوها اللي بعدك في الكشف!!
الكلام نزل عليا زي الصاعقة!!
أخوها!! أخوها اللي كان الثاني على الدفعة بفارق درجات بسيطة!!
صاحبتي قامت من الأرض زي المجنونة وصرخت فيه يا خاين يا واطي!! مش إنت اللي اتفقت معايا عشان تطلقها وتاخد الشقة اللي باسمها وتتجوزني بالفلوس اللي هيدفعهالي أخويا لما يتعين بدالها؟! إنت اللي حطيت الكيس بيدك في الأوتيل!!
الأوضة تحولت لساحة حرب واعترافات متتالية! الخيانة كانت أبشع وأحقر مما تخيلت.. ماكانتش بس خيانة زوج أو غدر صاحبة، دي كانت مؤامرة مسبوكة بين جوزي اللي بعني عشان الشقة، وصاحبتي اللي باعتني عشان أخوها يركب مكاني في النيابة الإدارية!
أنا واقفة في النص.. مذهولة، منملة، مش قادرة أستوعب إن البشر ممكن يوصلوا للدرجة دي من الخسة والقذارة.. الدموع نزلت من عيني سخنة بتكوي وشي، بس ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع صدمة ووجع.
الظابط هز رأسه بأسف، وطلب الكلبشات فوراً.. العساكر هجموا على طارق وعلى صاحبتي وكلبشوهم هما الاثنين في ثواني، وسط صراخهم واتهاماتهم لبعض..
بصلي
الظابط وقال أستاذة ميرنا.. برافو على ذكائك وسرعة تصرفك.. لو الشنطة دي كانت عدت وخرجت بيها من المطار،
أو اتقفشتي بيها برة التفتيش الذاتي، كان مستقبلك انتهى تماماً ودخلتي السجن بجرائم تهريب مخدرات جنائية.. اتفضلي معايا عشان نعمل محضر ضبط ورسمي بالواقعة وأقوالك، والنيابة العامة هي اللي ستحقق في الخلية دي.
أنا أخدت نفس عميق.. نفس طالع من وسط النار اللي كانت بتاكل في صدري..
بصيت لطارق وهو متكلبش، وبصيت لصاحبتي وهي بتعيط وتتوسل..
قلت لطارق بصوت هادي وجامد زي الحديد إنت مابقيتش جوزي من اللحظة دي.. وورقة طلاقي هتوصلني وأنا قاعدة في مكتبي في النيابة.
وبصيت لصاحبتي وقلت لها وأخوكي اللي كنتي عاوزة تسقطيني عشان يركب مكاني.. هيجي يزورك في السجن وهو شايفني بحاكم أمثالك.
سيبتهم ومشيت ورا الظابط وأنا مجروحة من جوايا بكسرة ما تتوصفش، بس رافعة رأسي للسما..
وأنا ماشية في الممر، الموبايل في إيدي اهتز للمرة الأخيرة..
فتحت الشاشة، وجاتلي رسالة تالتة وأخيرة من نفس الرقم المجهول
حقك رجعلك يا ميرنا.. مبروك التعيين، وخلي بالك من نفسك.. من فاعل خير بيحب الحق.
ابتسمت بمرارة والدمعة في عيني.. ما عرفتش مين اللي بعت الرسائل، هل هو حد من قرايبهم ضميره صحي؟ ولا حد كان متابعهم في أوروبا وشاف غدرهم؟ بس في النهاية، ربنا سخرلي المجهول ده عشان ينقذ حياتي ومستقبلي من القاع.
خرجت من المطار.. الشمس كانت بتبدأ تشرق على القاهرة..
صحيح اتكسرت من أقرب الناس ليا، وصحيح رحلة علاجي انتهت بخيانة.. بس خرجت منها بكرامتي، وبمستقبلي، وبدرس عمري ما هنساه طول حياتي
إن اللي يحفظ ربنا.. ربنا
ينقذه حتى لو
كان على بعد خطوة واحدة من الهاوية!





