قصص قصيرة

اللحظات الأخيرة

كانت فريدة تتوقع أن يطعن في الوصية ويساعدها على تدمير مصداقية طارق. لكن عند دخوله قاعة المحكمة، وضع ملفاً على الطاولة.

كان يحتوي على رسائل بريدية أرسلها إبراهيم خلال الأشهر الأخيرة، يعترف فيها بشكوكه تجاه فريدة قبل دخوله المستشفى، وكان يحاول التواصل مع خالد للاعتذار عن ابتعاده عنه.

قال خالد: «والدي ارتكب أخطاء كثيرة، واختار العمل والمال على حساب عائلته لسنين. لكن هذه الوصية كانت قراره. ولن أساعد المرأة التي حولته إلى مجرد حساب بنكي.»

في المحاكمة، امتلأت القاعة بالعمال والصحفيين وعائلات الأطفال المصابين بأمراض القلب ممن تابعوا القصة.

حضرت فريدة بزي أنيق وشعر مرتب، ولم تنظر حتى إلى صورة إبراهيم الموضوعة أمام الادعاء.

بدأ عرض التسجيل الصوتي:

*«أخيراً ستنتهي يا إبراهيم…»*

لم يتحرك أحد في القاعة.

ثم عُرضت صور علب الدواء، والدفتر، وعمليات البحث، والرسائل. وأوضح الطبيب الشرعي أن إبراهيم لم يمت موتاً طبيعياً، بل أُضعف قلبه شيئاً فشيئاً.

عندما صعد طارق إلى منصة الشهود، أشار إليه محامي فريدة:

— «ترك لك السيد إبراهيم أكثر من 82 مليون ريال. أنت استفدت مباشرة من وفاته!»

تنفس طارق بعمق: «كنت سأستفيد أكثر لو أنه عاش.»

قطب المحامي حاجبيه: «فسر ذلك!»

— «لو عاش العم إبراهيم، لكان استطاع الإبلاغ عنها، واستعادة حياته، والتصالح مع ابنه. وكنت سأستمر أنا في عملي بالمسشفى… المال لا يعوض إنساناً.»

سمحت القاضية له بالمتابعة.

— «هو لم يطلب مني أن أكذب، بل طلب مني ألا أسمح لوفاته بأن تكافئ من خانوه. كنت أفضّل الاستمرار في تنظيف الممرات على أن أسمع تلك المرأة وهي تسخر منه وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه.»

فقدت فريدة سيطرتها وصرخت: «أنت نصاب ومستغل! كل ذلك كان ملكي!»

أمرت القاضية بالهدوء، لكن هذه العبارة ظلت ترن في القاعة…

لم تقل فريدة “كان زوجي” أو “كنت أحبه” أو “أنا بريئة”… بل تحدثت فقط عن المال.

أدرك وائل أنه قد يواجه عقوبة أشد بسبب مخطط خُطف مريم، فقرر التعاون مع النيابة.

واعترف بأن فريدة هي من اقترحت استخدام الديجوكسين، بينما جلب هو الوصفات المزورة ودفع للمهاجمين.

وقال: «هي من قالت لن يكتشفنا أحد… ووعدتني بأن نبيع المصنع وننتقل للعيش على البحر.»

صرخت فريدة: «يا جبان! أنت أيضاً كنت تريد تلك الحياة!»

قدمت النيابة دليلها الأخير: رسالة أرسلتها فريدة ليلة وفاة إبراهيم:

*«غداً ربما أكون حرة. إذا تأخر الأمر، سأضاعف له الجرعة.»*

ساد صمت مطبق.

بعد أسبوعين صدر الحكم:

عند سماع الحكم، نظرت فريدة إلى طارق: « مني كل شيء!»

رد عليها طارق بلا كراهية: «لا… أنتِ خسرتِ كل شيء عندما قررتِ أن حياة إنسان تساوي أقل من بيت على البحر.»

أُعلنت صحة الوصية. وبعد 6 أشهر، تسلّم طارق الممتلكات رسمياً.

لم يشترِ سيارات ولم يقم حفلات.

أول شيك وقّعه كان لتغطية تكاليف عملية أخته مريم.

كان من المقرر أن تستغرق العملية 6 ساعات، لكنها استمرت ما يقرب من 9 ساعات. مشى طارق في الممرات حتى حفظ كل بلاطة في الأرضية.

عندما خرج الجراح، كان يحمل قبعته بين يديه:

— «كانت معقدة، لكنها نجحت. قلبها يستجيب تماماً. ستجلس في التأهيل لفترة، لكنها ستعيش حياة طبيعية.»

غطى طارق وجهه وبكى.

لسنوات كان يعمل نهاراً وليلاً، يبيع ممتلكاته البسيطة، يطلب قروضاً، ولم يستطع جمع حتى عشر تكلفة العملية. والان أخته ستعيش بفضل رجل جعل من الخيانة أملاً في أيامه الأخيرة.

بعد أشهر، عادت مريم للمدرسة. وبعد عام شاركت في سباق مدرسي لمسافة 3 كيلومترات.

انتظرها طارق عند خط النهاية والدموع في عينيه.

قالت وهي تلهث: «لم أفز بالمركز الأول…»

أجابها: «لكنكِ وصلتِ للنهائية… وهذا هو الفوز الحقيقي.»

باع طارق القصر وإحدى الشقق، وحافظ على الأخرى لوالدته، وشترى منزلاً بسيطاً بالقرب من المستشفى.

كما باع المصنع بشرط واحد: أن يلتزم المالك الجديد بالحفاظ على وظائف جميع العمال وأقدميتهم لمدة 3 سنوات.

وبباقي الثروة والاستثمارات، أنشأ **«مؤسسة إبراهيم السالم الخيرية»** المتخصصة في تكاليف جراحات القلب للأطفال الذين لا تستطيع عائلاتهم تحملها.

في السنة الأولى ساعدوا 7 أطفال.

في الثانية 23.

في الثالثة 51.

أما خالد، ابن إبراهيم، فقرر التكفل بتكاليف عملية واحدة كل عام عن روح والده. كما استلم ساعة والده وصندوقاً من الرسائل التي لم يجرؤ إبراهيم على إرسالها له في حياته.

بعد 5 سنوات، كانت المؤسسة قد دعمت أكثر من 300 طفل.

وعلى جدار الممر علقت صور أطفال ومراهقين عاشوا يوماً ما بفزع من أن تتوقف قلوبهم.

دخلت مريم، التي أصبحت في التاسعة عشرة من عمرها، وهي تحمل ظرفاً:

— «قُبلت في كلية الطب! أريد أن أكون طبيبة قلب للأطفال.»

عانقها طارق بحرارة.

في تلك الليلة، جلس بمفرده في المكتب. في الخارج كانت الأمطار تهطل تماماً مثل تلك الليلة التي طلب فيها إبراهيم مساعدته.

كانت صورة رجل الأعمال تستقر على المكتب.

همس طارق: «لقد أوفيت بالعهد يا عم إبراهيم… أموالك لم تشترِ بيتاً على الشاطئ، بل اشترت عمليات ، وأعياد ميلاد، ومستقبلاً لأطفال كثيرين.»

لم تستطع ثروة إبراهيم أن تنقذ حياته هو…

لكن بفضل قراره الأخير، أنقذت مئات القلوب.

**وكانت تلك هي التركة الوحيدة التي كانت لها قيمة حقيقية.**

النهاية

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى