
اشتري زوجي عجل
وأكمل حسام وعيناه تمتلئان بالدموع:
“لكن لا تفضحني بذنب لم أفعله.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما هو…
فأخذ يتنفس بصعوبة ثم قال:
“أقسم بالله أنني تعبت حتى أعيش بالحلال…
وتعبت حتى أبني اسمي بين الناس.”
لكن رجلًا وقف في الخلف وقال ببرود:
“كل فاسد يتحدث عن الحلال.”
وضحك آخر ضحكة قصيرة.
وهنا فقط…
رأيت شيئًا انكسر داخل حسام.
لأول مرة منذ عرفته…
بدا ضعيفًا.
بدا كرجل يكتشف أن سمعته يمكن أن تنهار في دقائق مهما عاش شريفًا.
ثم اقترب أخوه منه سريعًا وقال:
“ادخل إلى البيت الآن قبل أن يزداد الكلام.”
لكن حسام أبعد يده بعنف.
وقال:
“لا.
لن أهرب وكأنني مذنب.”
ثم التفت نحو الناس جميعًا وقال:
“من لديه كلمة فليقلها في وجهي.”
وللأسف…
قالوها.
امرأة صاحت من الخلف:
“المال الحرام يحرق صاحبه!”
ورجل آخر قال:
“من يدرينا من أين جاءت كل هذه الأموال أصلًا؟”
وأضاف ثالث:
“حتى سيارته الجديدة اشتراها فجأة.”
شعرت بأن النار بدأت تشتعل داخل رأسي.
لأن كل نجاح حققه حسام خلال السنوات الماضية…
تحوّل فجأة إلى تهمة.
حتى الذين كانوا يمدحونه قبل أيام…
صاروا ينظرون إليه بشك.
وفجأة فقط…
سمعنا صوت طفل صغير يقول بخوف:
“لكن… هذا ليس ما رأيته.”
التفت الجميع نحوه.
كان طفلًا في السابعة تقريبًا.
يقف خلف والده وهو يضم يديه إلى صدره بتوتر.
أسرعت أمه نحوه وهي تقول:
“اصمت.”
لكنه أكمل وهو ينظر ناحية العجل:
“أنا رأيت رجلًا عند محل الجزارة ليلًا.”
ساد الصمت مجددًا.
حتى حسام نفسه التفت نحوه بسرعة.
ثم اقترب منه أحد الرجال وسأله:
“ماذا تقول يا ولد؟”
ابتلع الطفل ريقه بخوف.
وقال:
“كنت عائدًا مع أبي بعد صلاة العشاء…
ورأيت رجلًا يُنزل عجلًا من سيارة صغيرة خلف محل الجزارة.”
شعرت بأن قلبي بدأ ينبض بعنف.
أما الجزار…
فرفع رأسه فجأة.
ثم قال:
“أي سيارة؟”
أشار الطفل بيده المرتجفة وقال:
“بيضاء…
وكان الرجل يصرخ على شخص آخر ويقول له:
أسرع قبل أن يرانا أحد.”
بدأ الناس ينظرون إلى بعضهم بارتباك.
لكن رجلًا قال بسرعة:
“الولد صغير… ربما تخيّل.”
إلا أن الطفل هز رأسه بعنف.
وقال:
“لا!
ثم رأيت عجل عم حسام يُؤخذ إلى الداخل.”
تجمّد حسام في مكانه.
أما أنا…
فشعرت لأول مرة أن هناك شيئًا مرعبًا يحدث فعلًا.
اقترب الجزار ببطء من الطفل.
ثم سأله:
“هل أنت متأكد مما تقوله؟”
أومأ الطفل برأسه.
وأضاف:
“كنت سأخبر أبي…
لكنني ظننت أن الأمر طبيعي.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا هذه المرة.
وكأن الجميع بدأوا يدركون أن الكارثة ربما لم تكن كما ظنوا.
لكن أحد الرجال قال بعناد:
“وما الذي يثبت أن العجل تبدّل؟”
وهنا فقط…
انحنى الجزار مرة أخرى فوق الذبيحة.
وأخذ يفحصها بدقة.
ثم فجأة تغيّر وجهه بالكامل.
ورفع رأسه ببطء نحو الناس.
وقال:
“هذا ليس نفس العجل الذي رأيته صباحًا.”
تعالت الهمسات فورًا.
أما حسام…
فحدّق فيه بعدم استيعاب.
وقال:
“ماذا تعني؟”
4
أجاب الجزار وهو يشير إلى الذبيحة:
“العجل الذي أحضرته كان أقوى وأثقل.
وأقسم أن هذا العجل مريض منذ فترة طويلة.”
شعرت بأن بعض الرجال بدأوا يتراجعون بخجل.
لكن آخرين ظلوا صامتين.
كأنهم لا يريدون التراجع عن اتهاماتهم بسهولة.
وانحنى فوقه بحذر.
وبعد لحظات…
قال :
“انتظروا…”
اقترب الجميع أكثر.
أما الرجل…
لينكشف أنه
ولم يكن شيئًا خرج من داخل العجل أصلًا.
بل شيئًا وُضع عمدًا داخله.
ارتفعت الأصوات فجأة.
“يعني ماذا؟!”
“من فعل هذا؟!”
“هل كان الأمر مدبرًا؟!”
ثم فجأة…
أشار الطفل الصغير بيده ناحية الواقفين.
وقال بخوف:
“هذا هو!”
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
وكان يشير مباشرة نحو ابن عم حسام.
فادي.
شحب وجه الرجل فورًا.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
أما حسام…
فنظر إليه وكأنه لم يعد يصدق ما يسمعه.
وقال ببطء:
“فادي…؟”
لكن فادي صرخ بعصبية:
“الولد يكذب!”
إلا أن الطفل بدأ يبكي وقال:
“أقسم أنه هو…
رأيته ليلة أمس بجوار السيارة.”
وهنا فقط…
بدأت الحقيقة المرعبة تظهر أمام الجميع.
أما فادي…
فكان يتراجع إلى الخلف وعيناه تتحركان بعصبية بين الوجوه.
ثم قال بانفعال:
“هل ستصدقون طفلًا وتتهمونني؟!”
ساد الارتباك داخل الفناء.
لأن الطفل وحده لم يكن كافيًا.
وبدأ بعض الرجال يهزون رؤوسهم بتردد.
“ربما أخطأ الولد.”
“الليل يخدع الأطفال.”
“لا يجوز اتهام رجل دون دليل.”
شعرتُ أن التوتر عاد من جديد.
أما حسام…
فكان يقف صامتًا وهو ينظر إلى فادي بطريقة مخيفة.
وكأنه بدأ يربط أشياء كثيرة دفعة واحدة.
ثم فجأة…
رفع الجزار رأسه وقال:
“انتظروا…”
التفت الجميع نحوه.
فأكمل بتردد:
“هناك كاميرا خلف محل الجزارة.”
ساد الصمت.
أما فادي…
فتغيّر وجهه فورًا.
ولأول مرة منذ بداية الكارثة…
ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
اقترب أحد الرجال بسرعة وقال:
“أي كاميرا؟!”
أشار الجزار نحو العمود الحديدي خلف المحل.
وقال:
“ابني ركّبها منذ أيام فقط بعد مشكلة حدثت ليلًا هنا… ولم ينتبه لها أحد بعد.”
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.
وتبادل الرجال النظرات بسرعة.
أما فادي…
فبقي صامتًا هذه المرة.
لكن التوتر فوق وجهه كان كافيًا ليزرع الشك داخل الجميع.
ثم انطلق شاب نحو داخل المحل بسرعة وهو يقول:
“هاتوا الهاتف… التسجيلات محفوظة عليه.”





