قصص قصيرة

دفعت تمن قهوة لراجل غريب

في القاهرة الجديدة، عينه بتدور وسط الزحمة على جاكيت كحلي أو كحكة شعر بسيطة.
طبعًا، العقل المنطقي كان بيقول إن احتمال يقابلها تاني وسط ملايين البني آدمين في القاهرة شبه مستحيل.
لكن الصدفة العجيبة حصلت.
يوم خميس، وبعد اجتماع عمل مرهق في شركة تأمين تابعة لمجموعة الشركات بتاعتها، عمر نزل وفضل ماشي برجله شوية بدل ما يركب العربية مع السواق، كنوع من تفريغ التوتر. وهو ماشي في شارع جانبي هادي نسبياً، لفت نظره مبنى إداري قديم وعليه يافطة مكتوب فيها شركة المستقبل للحلول الإدارية وخدمات الأمن.
وجنب الباب مباشرة، كانت مريم واقفة.
كانت لابسة نفس اليونيفورم الكحلي، وماسكة ملف في إيد وموبايل قديم في الإيد التانية، وشكلها كان مضغوط وعليها علامات القلق الواضح. وهي بتتحرك عشان تدخل المبنى، الملف اللي في إيدها اتقلب ووقعت منه أوراق كتير على الأرض في الهوا المفتوح.
عمر ما استناش ثانية واحدة.
خطى بسرعة، ووطى على الارض جمع الأوراق بسرعة، ورجعها لها وهوبيقول بصوت هادي
واضح إن حظنا مع الأوراق والمواقف الصدفة مش بينتهي.
مريم رفعت راسها، وخدها ثواني عشان تستوعب مين اللي واقف قدامها. لما عرفته، عينيها وسعت بدهشة، ووشها احمر شوية مش من الخجل، لكن من المفاجأة
أستاذ عمر؟! هو إنت؟
ابتسم عمر، لأول مرة بحرارة حقيقية وطلعت من جوه قلبه
أخيرًا عرفتي اسمي من غير ما أسألك.. أهلاً يا مريم.
مريم حاولت تلم نفسها بسرعة، وقالت بجدية عملية
أنا آسفة.. ماعرفتكش بملابس الشغل، وشكل اليوم مش مظبوط من أوله. أصل
سكتت فجأة وكأنها افتكرت إنها بتتكلم مع مدير مجموعة شركات كبرى، وهي مجرد موظفة أمن بسيطة. لكن عمر قطع تردّدها بنبرة ودودة
مالك؟ شكلك مش على ما يرام.
مريم تنفست بعمق وقالت بنبرة فيها مرارة مكتومة
أبدًا.. الشركة اللي شغالة فيها قررت تفاجئنا النهارده بقرار تعسفي بإنهاء تعاقد قسم الأمن بالكامل وتعيين شركة أوتوسورس تانية بتكلفة أقل.. يعني ببساطة، من بكره أنا وزميلي هنكون في البيت، وأنا عندي التزامات ومصاريف بيوت ماتستحملش يوم واحد بطالة.
عمر بص لها، وفي اللحظة دي، العقل المدبر لرجل الأعمال اشتغل بسرعة البرق. بس مش عشان يستغل الموقف، بل عشان يرد الجميل بالشكل اللي يليق بمريم وبنبل مورالها.
قال بهدوء وهو بيبص لاسم الشركة اللي على اليافطة
شركة المستقبل للحلول الأمنية.. مش دي اللي مجموعة الشافعي متعاقدة معاها لتأمين خمس فروع رئيسية؟
مريم استغربت
أيوة.. بس عرفت إزاي؟
طلع عمر كارت من جيبه، بس مش الكارت اللي اترفض الأسبوع اللي فات.. كارت شخصي فخم مكتوب عليه لقبه ورقم مديره التنفيذي الخاص، ومده لها وقال
مريم.. أنا من أسبوع كنتِ أنقذتيني من موقف سخيف ودفعتیلي تمن قهوة رفضتي تاخديه.. وقولتيلي جملة واحدة لما تلاقي حد محتاج، ساعده. والنهارده، أنا اللي لقيت حد محتاج.. ومش هسيب الفرصة تضيع.
مريم بصت للكارت وبعدين لعينه، وقالت بتردد
قصدك إيه؟ أنا مش عاوزه شفقة يا أستاذ عمر.. أنا كل اللي عاوزاه شغل حلال وبس.
عمر ضحك بصوت عالي وقال بنبرة واثقة
شفقة؟ إنتِ بتهزري يا مريم؟ دي مش شفقة.. دي شراكة عمل بحتة. أنا بكره الصبح هبعت إدارة الموارد البشرية تراجع عقود شركة الأمن دي، وهطلب منهم فسخ التعاقد الحالي ونقل ملفات كفاءات قسم الأمن الممتازين وعلى رأسهم أنتِ لإدارة الأمن الخاصة ببرج الشافعي، وبمرتب أضعاف اللي بتخديه هنا، لأننا بنحتاج ناس أمينة بجد مش مجرد أرقام في عقود.
مريم فضلت باصصة له ثواني طويلة، الدموع لمعت في عينيها بس ماسكتها بشجاعة، وهزت راسها بابتسامة خفيفة وقالت
والقهوة بتاعتك؟
عمر ضحك وقال
القهوة دي بقت في ذمة التاريخ.. بس تعالي نطلع نشرب قهوة مظبوطة في مكتبي، لأن ورانا شغل كتير أوي بكره الصبح.
ومن اليوم ده، مريم ما بقتش مجرد موظفة أمن عادية في أكبر صرح تجاري في مصر، وعمر ما بقاش مجرد رجل أعمال باصص للدنيا من فوق برج عاجي.. الاتنين اكتشفوا إن أبسط المواقف الإنسانية، وأصغر القرارات اللي بنعملها من غير مقابل، هي دايمًا اللي بتغير مجرى حياتنا للأبد وترجع تفتح لينا أبواب ماكنناش نتخيل إنها ممكن تفتح يومًا ما.ذ

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى