قصص قصيرة

اختي كانت تتحول بالمنشفة

وبعد دقيقة، أختي ردت:

“خايف تجاوب علشان الإجابة أيوه؟”

جوزي ما ردش.

بعدها بعتت:

“متقلقش، أنا مش هقول لها.”

وكان رده الأخير:

“وأنا هقول لها بنفسي لو الموضوع اتكرر.”

رفعت عيني له.

— ليه ما قلتليش وقتها؟

اتنهد.

— لأنك كنتِ أصلًا متضايقة منها، وافتكرت إن تجاهلها هيقفل الموضوع. ولما ما بعتتش تاني، قلت يمكن استوعبت غلطها.

سكت لحظة وأضاف:

— وده كان غلط مني. كان لازم أقولك.

رجعتله الموبايل.

كنت زعلانة منه إنه خبّى الرسالة، لكن رده عليها خلاني أعرف إنه من البداية رسم الحد اللي هي حاولت تمحيه.

قلت:

— مفيش حاجة تانية؟

بصلي مباشرة.

— مفيش. ولو فيه، مش هخبيها.

سكتنا ثواني.

ثم قلت:

— روح وصلها.

بعد حوالي ساعة رجع.

دخل البيت ولقاني قاعدة في الصالة.

قعد قدامي وقال:

— وصلت الفندق.

سألته:

— قالت حاجة؟

— طول الطريق تقريبًا ساكتة. قبل ما تنزل قالتلي: “أنا بوظت علاقتي بأختي، صح؟”

— وإنت قلتلها إيه؟

— قلتلها إن دي حاجة بينها وبينك… وإن الاعتذار بداية، مش ممحاة.

الجملة فضلت في دماغي.

الاعتذار بداية… مش ممحاة.

وده بالضبط اللي كنت حاساه.

أنا كنت بحب أختي.

لكن الحب مش معناه إن كل حاجة تتسامح في نفس اللحظة.

عدى يوم.

وبعدين يومين.

وفي اليوم التالت، أختي ما اتصلتش.

أنا اللي اتصلت.

ردت بسرعة، كأنها كانت مستنية المكالمة.

— ألو؟

— لقيتي مكان؟

سكتت لحظة وقالت:

— لقيت أوضة مفروشة صغيرة. وصاحبة المكان وافقت آخدها بالشهر.

— والشغل؟

— عندي مقابلة بكرة.

قلت:

— لو محتاجة العربية…

قاطعتني:

— لأ.

استغربت.

قالت:

— كفاية اللي عملتيه عشاني. هروح مواصلات.

كان صوتها مختلف.

مفيهوش التحدي اللي كنت متعودة عليه.

وقبل ما أقفل، قالت:

— ممكن أقولك حاجة؟

— قولي.

بدأ صوتها يتهز:

— أنا طول عمري كنت بقارن نفسي بيكي.

سكت.

قالت:

— وإنتِ يمكن عمرك ما خدتي بالك.

وبعدين كملت:

— في المدرسة كنتِ المتفوقة. لما كبرنا، إنتِ أول واحدة استقرت. ولما أنا دخلت علاقتي مع سامح، فضلت سنين أقنع نفسي إني أسعد منك.

قلت:

— ليه أصلًا لازم واحدة فينا تبقى أسعد من التانية؟

عيطت.

— معرفش.

وبعد لحظة قالت:

— لما سامح سابني علشان واحدة تانية، كل اللي بنيته جوايا وقع. ولما جيت عندك وشوفت بيتك… بدل ما أفرحلك، حسيت إني خسرت مسابقة إنتِ أصلًا مكنتيش عارفة إنها موجودة.

الجملة وجعتني.

قلت:

— أنا عمري ما نافستك.

— عارفة دلوقتي.

ثم قالت:

— وعشان كده مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.

سكتت شوية وأضافت:

— أنا هشتغل على نفسي الأول.

قلت لها:

— اعملي ده علشانك… مش علشاني.

— حاضر.

وقفلنا.

مرت أسابيع.

وبعدين شهور.

أختي لقت شغل.

وبطلت تطلب مني فلوس.

وبعد فترة، بدأت تروح لمتخصصة تساعدها تتعامل مع اللي حصل في علاقتها القديمة ومع طريقتها في قياس قيمتها بنظرة الآخرين ليها.

لكن علاقتنا ما رجعتش زي الأول فورًا.

كنت بشوفها عند أمي أحيانًا.

نسلم.

نتكلم.

نضحك على حاجة بسيطة.

لكن كان فيه مسافة.

والغريب إن أختي ما حاولتش تكسر المسافة بالقوة.

كانت سايباها موجودة.

وكأنها فهمت أخيرًا إن الثقة لما تتكسر، مش من حق الشخص اللي كسرها يحدد ميعاد رجوعها.

بعد حوالي ست شهور، كان عيد ميلاد أمي.

العيلة كلها اتجمعت.

أختي وصلت متأخرة بسبب الشغل.

دخلت شايلة تورتة وهدية.

ولأول مرة من شهور، حسيت إني شايفة أختي القديمة.

مش الست اللي كانت بتحاول تلفت نظر أي راجل علشان تتأكد إنها مرغوبة.

ولا البنت المكسورة اللي سامح سابها.

أختي وبس.

بعد العشا، كنت واقفة في المطبخ بغسل الأطباق.

دخلت تساعدني.

فضلنا ساكتين شوية.

وفجأة قالت:

— فاكرة الفندق؟

ضحكت رغمًا عني.

— للأسف.

ابتسمت بإحراج.

— كان أسوأ تلات ليالي في حياتي.

قلت:

— تستاهلي.

ضحكت.

— عارفة.

وبعدين سكتت.

حطت الطبق اللي في إيدها وقالت:

— ممكن أسألك سؤال؟

— إيه؟

— إنتِ سامحتيني؟

السؤال كان صادق.

فكرت قبل ما أرد.

— سامحتك من ناحية الغضب… أيوه.

عينيها لمعت.

لكن كملت:

— إنما الثقة رجعت كلها؟ لأ.

هزت راسها.

— حقك.

قلت:

— بس رجع جزء كبير منها.

ابتسمت.

ودي كانت أول مرة أشوف دموع في عينيها من غير ما تستخدمها علشان تبرر غلطها.

قربت وحضنتني.

وأنا المرة دي…

حضنتها.

في طريق رجوعنا للبيت، كنت قاعدة جنب جوزي في العربية.

قلتله:

— فاكر يوم المنشفة؟

ضحك:

— مستحيل أنساه.

— أنا كنت متوقعة لما قلت “هعلمها درس” إنك هتعمل مصيبة.

ضحك وقال:

— كنتِ عايزاني أعمل إيه يعني؟

قلت وأنا بضحك:

— معرفش… بس مش حجز فندق!

قال:

— أنا أصلًا كنت حاجزه من الليلة اللي قبليها.

بصيتله بصدمة:

— نعم؟!

ضحك.

— بعد الرسالة حسيت إن الموضوع مش هينتهي بالكلام. فحجزت احتياطي.

ضربته بخفة على كتفه.

— يعني كنت مخطط!

قال:

— كنت مستعد.

سكت شوية، وبعدين قلت:

— بس فيه حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل.

— إيه؟

بصيت من شباك العربية.

وقلت:

— إن الثقة مش معناها إننا نسكت لما حد يتجاوز حدودنا.

بصلي.

فكملت:

— أنا كنت واثقة فيك… لكني كنت خايفة لو وقفت أختي عند حدها تقول عليا غيورة أو قليلة الثقة في نفسي.

قال:

— وحدودك مش محتاجة موافقة حد.

ابتسمت.

— بالضبط.

بعد سنة تقريبًا، أختي ارتبطت بشخص جديد.

لكن المرة دي، عملت حاجة عمرها ما كانت بتعملها.

ما استعجلتش.

ما حاولتش تثبت للعيلة إن علاقتها مثالية.

وما قارنتش نفسها بيا.

وفي يوم خطوبتها، كانت واقفة جنبي قدام المراية وأنا بظبط لها طرحتها.

بصتلي من خلال المراية وقالت:

— عارفة إن أغرب حاجة حصلتلي في حياتي هي اللي أنقذتني؟

قلت:

— إيه؟

قالت:

— اليوم اللي جوزك طردني فيه.

رفعت حاجبي:

— هو ما طردكيش… إحنا طردناكي.

ضحكت:

— تمام، شكرًا على التصحيح.

وبعدين مسكت إيدي.

— لو كنتوا سبتوني أكمل، كنت ممكن أفضل طول عمري بدور على قيمتي في نظرة راجل ليا.

قلت:

— قيمتك عمرها ما كانت محتاجة إثبات.

هزت راسها.

— عارفة دلوقتي.

ثم ضحكت وقالت:

— وعلى فكرة… الفندق كان وحش جدًا.

انفجرت ضحك.

— ده اللي كان ناقص! كمان نختارلك خمس نجوم بعد اللي عملتيه؟

دخل جوزي في اللحظة دي وهو بيقول:

— أنا سامع اسمي بيتجاب؟

بصتله أختي وقالت بسرعة:

— لأ… بنتكلم عن أسوأ حجز فندق في التاريخ.

رد بمنتهى البرود:

— المهم إن الاختبار نجح.

وشها احمر.

— لسه فاكر؟!

قال:

— بعض الدروس مبتتنسيش.

ضحكنا كلنا.

وللمرة الأولى، ماكانش احمرار وشها بسبب الإحراج اللي حصل يومها.

كان بسبب ذكرى غلط قديم قدرت أخيرًا تعترف بيه… وتتجاوزه.

أما أنا، فخرجت من التجربة بحاجة أهم من إني أعرف إن جوزي “نجح في الاختبار”.

فهمت إن المشكلة من البداية ماكانتش هل جوزي هيبص لأختي ولا لأ.

المشكلة كانت إن شخصًا دخل بيتي، وتجاوز حدودي، وحاول يقنعني إن اعتراضي معناه إني ضعيفة أو غيورة.

ومن يومها بطلت أبرر حدودي لأي حد.

حتى لو كان أقرب الناس ليا.

لأن اللي بيحبك فعلًا…

مش هيختبر علاقتك.

ومش هيحاول يثبتلك إنك لازم تخافي.

ومش هيعتبر احترامك لنفسك غيرة.

الثقة مش إنك تسمحي بكل شيء.

الثقة الحقيقية إنك تعرفي إمتى تقولي: كفاية.

تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى