قصص قصيرة

روحت المستشفي

بدأت أفتكر حاجات قديمة. خالي كان دايمًا بيزورنا زمان، وبعدها اختفى فجأة. أمي كانت بتمنعني أجيب سيرته. وأبويا كان كل ما اسمه يتقال، يقوم من المكان.

قلت: هو اللي قتل سارة؟

أحمد رد: إحنا مش متأكدين.

مش متأكدين بعد كل ده؟!

عندنا أدلة، بس مفيش دليل مباشر.

أبويا مد إيده بورقة: ودي أهم ورقة.

بصيت فيها. كانت تحويلة بنكية بمبلغ كبير جدًا. والاسم اللي عليها كان اسم خالي. والتاريخ كان قبل وفاة سارة بيومين. لكن المستفيد كان شخصًا آخر.

قرأت الاسم. ثم تجمدت.

ده…

أحمد قال: أيوه.

ده مدير المستشفى اللي بتشتغل فيها.

هز راسه: بالضبط.

فهمت فجأة ليه أحمد كان بيقضي وقت طويل في المستشفى. هو ماكانش بيخوني. وماكانش بيتهرب مني. كان بيدور على دليل.

قلت: ليه ماقولتليش؟

أحمد بصلي بعينين مليانين ندم: لأن الشخص ده كان بيدور على ليان. ولو عرف إنك عرفتي، كان ممكن يستخدمك عشان يوصل لها.

سكت لحظة. ثم قال: وأنا خفت أخسرك إنتِ كمان.

دموعي نزلت.

بس قبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت خبط قوي على الباب.

مرة. اتنين. تلاتة.

ليان خرجت من الأوضة وهي مرعوبة.

أحمد وقف فورًا: خدي ليان وادخلي الأوضة.

وإنت؟

أنا هتعامل معاهم.

أبويا مسك إيده: ما تفتحش.

الخبط وقف. حل مكانه صوت رجل من الخارج: مريم.

اتجمدت.

الصوت كان مألوفًا. جدًا.

بصيت لأحمد. هو كمان عرفه.

اقتربت من الباب من غير ما ألمسه. وسمعت الصوت مرة تانية: أنا عارف إنك جوه.

ثم قال اسمًا واحدًا جعل أحمد يفتح عينيه بصدمة: سارة.

لكن سارة كانت ماتت من سنة وشهرين.

فمين كان واقف خلف الباب وبيتكلم باسمها؟

فضلنا كلنا ساكتين.

صوت الرجل رجع من ورا الباب: مريم، افتحي.

بصيت لأحمد، وشفت الخوف لأول مرة في عينيه.

مين ده؟

قال بصوت واطي: مش عارف.

أبويا قرب من الباب، وبص من العين السحرية. وفجأة رجع خطوتين: مستحيل.

سألته: مين؟

بصلي، ووشه شاحب: الراجل اللي واقف بره مات من عشر سنين.

اتجمدت: إيه؟

أحمد قرب منه: مين؟

أبويا ما ردش.

وفي اللحظة دي، الرجل بره قال: عارف إنكم فاكريني ميت.

سكتنا كلنا.

ثم ضحك ضحكة قصيرة: بس أنا عشت عشان أعرف مين اللي حاول يقتلني.

أحمد فتح الباب فجأة.

صرخت: أحمد!

لكن الباب كان اتفتح بالفعل. والراجل اللي واقف بره دخل.

كان أكبر سنًا، ووشه عليه أثر جرح قديم ممتد من عند حاجبه لحد خده.

بص لأحمد. ثم لأبويا. وبعدين وقف قدامي: إنتِ مريم؟

هزيت راسي: أيوه.

مد إيده ببطء. لكن أحمد وقف بيني وبينه: ابعد عنها.

الراجل ابتسم: لسه بتحميها يا أحمد؟

أحمد اتوتر: إنت مين؟

رد: أنا الدكتور سامح.

شهقت. الاسم ده كان مكتوب في التحويلة البنكية.

مد الدكتور سامح إيده بملف قديم: أنا كنت مدير المستشفى اللي اشتغلت فيها سارة.

بصيت للملف: وإيه اللي يثبت إنك مش اللي أذيتها؟

قال بهدوء: مفيش.

ثم فتح الملف: عشان كده جبتلك الدليل.

أخذت الملف منه.

أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا. وتحتها توقيع سارة.

قرأت أول سطر. ثم توقفت.

أنا لم أمت بسبب مرضي.

رفعت عيني للدكتور سامح: إيه ده؟

قال: دي آخر شهادة كتبتها سارة قبل وفاتها.

قلبت الصفحة. وكان مكتوبًا: لو حصل لي أي حاجة، المسؤول مش أخويا. المسؤول شخص من داخل عيلتي.

بصيت لأبويا. وشه اتغير.

مين؟

الدكتور سامح قال: سارة كانت تقصد شخصًا واحدًا.

وقبل ما يكمل، سمعنا صوت ليان من الغرفة: خالو أحمد!

جرينا كلنا ناحية الغرفة.

كانت النافذة مفتوحة. وليان مش موجودة.

وعلى السرير، كان في ظرف أبيض.

أحمد أخده وفتحه. جواه صورة قديمة لسارة. وعلى ظهر الصورة جملة واحدة:

لو عايزين البنت ترجع، مريم تيجي لوحدها للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.

بصيت لأحمد: المكان ده فين؟

أبويا رد بصوت مكسور: بيتنا القديم.

بيتنا اللي في البلد؟

هز راسه: أيوه.

الدكتور سامح قال: لو رايحين هناك، لازم تعرفي حاجة.

إيه؟

بصلي مباشرة: سارة ما كانتش لوحدها يوم ماتت.

مين كان معاها؟

سكت لحظة. ثم قال: أمك.

اتسعت عيني: أمي؟

أبويا نزل رأسه: أيوه.

يعني أمي كانت موجودة يوم موت سارة؟

هز راسه: وكانت آخر واحدة شافتها.

حسيت إن كل حاجة كنت مصدقاها طول حياتي بتنهار.

أحمد مسك إيدي: مريم، هنروح هناك، بس مش لوحدك.

بصيت له: لا.

سحبت إيدي: المرة دي أنا اللي هروح.

مريم…

قاطعته: عشر سنين وإنت بتحميني من الحقيقة.

بصيت في عينيه: المرة دي أنا عايزة أشوفها بنفسي.

ثم أخذت مفتاح العربية من إيده.

وقبل ما نخرج، وصلني إشعار جديد على موبايلي. رقم مجهول.

فتحت الرسالة. وكان فيها تسجيل صوتي مدته ثلاث ثواني فقط.

شغلته. وفي أول ثانية سمعت صوت امرأة تبكي. وفي الثانية الثانية قالت: مريم.

وفي الثانية الأخيرة، سمعت صوت أمي بوضوح: ماتصدقيش أحمد.

فضلت ماسكة الموبايل، والتسجيل شغال قدامي مرة ورا التانية.

ماتصدقيش أحمد.

بصيت له. هو كان واقف قدامي، ووشه متجمد.

إنت سمعت؟

هز راسه: أيوه.

أمي قالت ماتصدقكش.

أحمد ما دافعش عن نفسه. بس قال: أنا عارف.

عارف إيه؟

عارف إن أمك كانت خايفة مني.

اتسعت عيني: وليه؟

قبل ما يرد، الدكتور سامح قال: لأن أمك كانت فاكرة إن أحمد السبب في اللي حصل لسارة.

بصيت لأحمد: وإنت فعلًا السبب؟

رفع عيني لي: لأ.

يبقى ليه أمي قالت كده؟

سكت طويلًا. ثم قال: لأن سارة قبل ما تموت قالتلها حاجة خلتها تشك فيا.

إيه هي؟

أحمد أخذ نفسًا عميقًا: سارة قالت لأمك إني كنت آخر شخص قابلها قبل الحادثة.

وإنت قابلتها؟

أيوه.

ليه؟

لأنها طلبت مني أساعدها تهرب بليان.

سكت لحظة. ثم قال: لكن لما وصلت، لقيتها مصابة.

حسيت بقشعريرة: مصابة بإيه؟

ضربة قوية في رأسها.

الدكتور سامح تدخل: وأنا اللي استقبلتها في المستشفى.

بصيت له: وإنت عارف مين ضربها؟

لأ.

طب ليه كل السنين دي ماحدش قال الحقيقة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى