قصص قصيرة

الخادمه

ربطت قلبي بين ضلوعي وقربت ببطء شديد من الشباك المكسور… بصيت جوه الأوضة الضلمة اللي ريحتها كلها فقر وعفونة، بس فجأة… عيني زغللت وقدمي اتجمدت في الأرض كأن سحر تلبسني!

منظر مستحيل عقلي يتخيله، ولا عين بني آدم ممكن تستوعبه بسهولة. أربع أطفال صغار، قد بعض بالمللي، قاعدين على حصيره قديمة ومهترية، بيلعبوا بحتة خشبة مقطوعة، عيونهم واسعة ووشوشهم باهتة من الجوع والبرد. توأم! لأ، دول مش توأم ثنائي وبس… دول أربعة مع بعض! أربع أطفال في عمر واحد، شكلهم يقطع القلب، بيلبسوا هدوم مقطعة وواسعة عليهم، وجسمهم دبلان من قلة اللبن والأكل.

شفت شادية واقفة قدام باب بوتجاز صغير ومهالك، مولعة عود كبريت بصعوبة بالغة. مسكت الشنطة السودة اللي جابتها من الفيلا، وفضت محتوياتها بحرص شديد فوق ترابيزة خشب قديمة مكسورة. بدأت تفرز الأكل اللي فيها… عضم الفراخ تنضفه كويس، حتت اللحمة الصغيرة اللي كانت لازقة في العضم، بواقي الأرز والعيش الناشف. مسكت كل حتة غسلتها بحب وحنان مفرط، كأنها بتغسل لؤلؤ ومش بواقي أكل نفايات!

وبعدين جابت حلة صغيرة قديمة، حطت فيها عضم الفراخ واللحمة، وملتها مية، وحطتها على النار. كانت قاعدة قدامها وعينيها مدمعة، بتنفخ في النار عشان تولع، وتعملهم شوربة تدفيهم بيها في الليلة البرد دي، وتسد بيها جوعهم اللي ما ما بينامش!

مقدرتش أستحمل أكتر من كده. حسيت برجليا بتدب في الأرض من الوجع والذهول، وبدون ما أحس بنفسي، زقيت الباب المخلع اللي مكنش مقفول كويس، ودخلت الأوضة بخطوات بطيئة وصوت مرتعش.

أول ما شادية رفعت وشها وشافتني واقف قدامها في نص الأوضة، كأن صاعقة ضربتها! الشنطة وقعت من إيدها، وفتحت عينيها على الآخر

4

الخادمه

من كتر الصدمة والرعب. كأنها شافت شبح خارج من كوابيسها.

يا… يا بيه؟! إنت… إنت جيت هنا إزاي؟! إنت… إنت عرفت المكان ده منين؟!

قالتها وهي بتترعش في بعضها، وعينيها بتدور على مفر، وكأنها خايفة أطردها من الشغل أو أبلغ عنها لأنها أخذت بواقي الأكل من الفيلا.

ومقدرتش أتحكم في دموعي اللي نزلت غصب عني، بصيت لها و قلت لها

خايفة مني يا شادية؟ خايفة أعملك إيه؟ بعد اللي شوفته ده كله… أنا اللي المفروض أخاف من الجحود اللي أنا عايش فيه! احكي لي.. إيه الحكاية؟ ولاد مين دول؟!

انهارت شادية في العياط، وغطت وشها بإيديها، وبقت تعيط بحرقة صوت قطعت قلبي حتت. قعدت على الحصير جنب الأطفال اللي خافوا وجريوا استخبوا وراها وهما بيبصولي بعيون مرعوبة.

مسحت دموعها بكم هدومها البالي، وقالت بصوت مبحوح

أصل… أصل الحكاية يا بيه بدأت من يوم ما جوزي عرف إني حامل… الدكتورة قالت لي في الشهر التالت إني حامل في أربع أطفال… توأم رباعي! فرحت في الأول، قلت ربنا كرمني بنعمة كبيرة.. بس جوزي… جوزي لما سمع الخبر، جن جنونه، واتجنن بمعني الكلمة. قعد يصرخ ويقول لي أنا هصرف على أربعة إزاي؟! ده أنا يادوب قادر أجيب لقمة العيش لنفسي! أنتي عاوزة تخلصي عليّ؟! … حاولت أقوله ده رزقهم، وربنا اللي بيبعت رزق العيال، بس هو مسمعش مني ولا كلمة.

وقفت شادية كلامها ثواني عشان تاخد نفسها من كتر العياط، وكملت بصوت مقطوع

في نفس اليوم يا بيه… لم هدومه كلها في شنطة قديمة، وطلقني تملي وقال لي اتصرفي مع عيالك لوحدك، أنا ما عنديش استعداد أضيع عمري عشان أربي أربعة!. وسابني ومشي… ومن يومها، مبقاش لينا أي حد في الدنيا غير ربنا. نزلت اشتغل في البيوت، وفي كل حتة، عشان أقدر أكفي مصاريفهم.

رفعت راسها وبصت لي نظرة تخلّي الحجر يحن

الفلوس اللي باخدها من الشغل هنا، ومن أي شغل والله العظيم ما بتكفي تلت الشهر يا بيه… يادوب على قد مصاريف الحضانه بتاعتهم وفواتير الكهربا والمية والغاز اللي بتجيلنا كل شهر زي السيف على رقبتنا، وقطع العيش الناشف…

والله ما بيفضل معايا مليم أحمر أجيب بيه فرخة ولا لحمة. العيال دول كل يوم بيصعبوا عليّ.. تلاقیهم جعانين وعنيهم في الأكل ومش عارفة أعمل إيه. عشان كده… عشان كده كنت باخد بواقي الأكل اللي في الفيلا، أنضفه كويس وأغليه عشان أعملهم شوربه تدفيهم في السقعة دي.. والله ما كنت بمد إيدي على حاجة حرام، بس قهرتي وقلة حيلتي هما اللي وصلوني لكده!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى