
اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا
بعض الأسماء والتفاصيل في هذه القصة جرى تعديلها حفاظا على عدم كشف الهوية والسرية. كما أن ليست كل الصور المرتبطة بالقضية تعود إلى المشهد الحقيقي. ومع ذلك فإن الوقائع الجوهرية حدثت وما تزال تعد واحدا من أكثر الأحداث إزعاجا مما سجل في مستنقعات جنوب فلوريدا.
بدأ يوم 14 أكتوبرتشرين الأول 2012 كأي يوم عمل عادي بالنسبة إلى باتريشيا لورانس. كانت في الثامنة والعشرين من عمرها تمضي في مسار مهني صاعد بوصفها مهندسة معمارية للمناظر الطبيعية ولها سمعة تكاد تكون هوسية في التنظيم. كان من يعرفها يقول إن باتريشيا لا ترتجل. كل موعد وكل مكالمة وكل مسار كان يخطط له بعناية. وكانت مذكرتها الجلدية البنية التي لا تفارق مقعد الراكب الأمامي تكاد تكون امتدادا لشخصيتها.
عند الساعة 630 صباحا غادرت باتريشيا شقتها في ميامي. كان الهواء ثقيلا منذ ذلك الوقت مشبعا بالرطوبة وكانت طبقة كثيفة من الضباب تبدأ بالارتفاع من المستنقعات القريبة فتطمس حدود المدينة قبل طلوع الفجر. ارتدت ملابس مريحة لكنها مهنية ونظارات شمسية كبيرة وربطت شعرها إلى الخلف. لا شيء غير مألوف. لا شيء يوحي بأن ذلك سيكون آخر يوم في حياتها كما عرفها الناس.
كانت وجهتها مدينة مابلز وهي مدينة صغيرة على الساحل الغربي لشبه جزيرة فلوريدا. كانت لديها مقابلة عند الثانية بعد الظهر مع عميل نافذ لاعتماد مشروع مهم. انطلقت بوقت كاف كعادتها. بل إنها دونت في مذكرتها توقفا لشرب القهوة في منتصف الطريق.
اختارت القيادة عبر الطريق الأمريكي رقم 41 المعروف محليا باسم طريق تامياني. وهو طريق طويل مستقيم رتيب يقطع قلب إيفرغلادز. مئتان وخمسة وسبعون كيلومترا من الإسفلت تحده أشجار السرو وأدغال المانغروف وقنوات مياه داكنة. ويسميه السكان النفق الأخضر لأن المشهد عبر كيلومترات يبدو كأنه ينطبق على السائق وكأن الطريق يبتلع داخل النبات.
ليست هذه الطريق خطرة من حيث المرور لكنها خطرة بسبب العزلة. فهناك مقاطع كاملة لا توجد فيها تغطية هاتفية ولا محطات وقود ولا مخارج واضحة. إذا حدث شيء لا يلاحظه أحد فورا.
عند الساعة 914 صباحا التقطت كاميرات المراقبة في أحد نقاط التحصيل صورة لسيارة باتريشيا وهي سيدان رمادية. كانت اللقطة مشوشة من زاوية مرتفعة. ظهرت باتريشيا مركزة على الطريق
يد على المقود والأخرى تعدل نظاراتها الشمسية. كانت تقود ضمن السرعة المسموح بها. لم تبد متوترة. لم تكن تتحدث في الهاتف. لم تكن تراقب المرايا باستمرار. كانت صورة عادية تماما.كانت تلك آخر صورة معروفة لباتريشيا لورانس قبل أن تختفي.
عند الساعة 1030 صباحا اتصل هاتفها المحمول للمرة الأخيرة ببرج اتصالات قرب أوشوبا وهي بلدة تكاد تكون رمزية. هناك تقع أصغر مكتب بريد في الولايات المتحدة مبنى وحيد تحيط به كيلومترات من المستنقعات. ووفق سجلات الفوترة كانت تلك آخر إشارة أطلقها الجهاز.
بعد ذلك صمت.
استبعد الفنيون أن يكون الهاتف قد أطفئ يدويا. وكانت الفرضية الأكثر احتمالا فقدانا كاملا للإشارة أو تدمير الجهاز. ومع أن ذلك الجزء من الطريق معروف بمناطق مي\تة إلا أن المعتاد هو أن تعود التغطية بعد كيلومترات لاحقة. في هذه الحالة لم تعد أبدا.
عندما لم تصل باتريشيا إلى اجتماعها في مابلز حاول العميل الاتصال بها. لم يتلق جوابا. اعتقد أنه تأخر. عند الثالثة بعد الظهر اتصل بمكتب ميامي. لم يكن أحد يعرف شيئا. وعند الخامسة بدأ القلق يتحول إلى إنذار.
في تلك الليلة نفسها أبلغت عائلتها عن اختفائها.
بدأت الشرطة البروتوكول المعتاد. جرى التحقق من المستشفيات ومحطات الوقود وكاميرات المرور الإضافية. وبعد ست وثلاثين ساعة عثر أحد الدوريات على سيارة باتريشيا الرمادية متوقفة على كتف الطريق قرب الكيلومتر 60 من الطريق السريع. كانت السيارة مغلقة. لم تكن المفاتيح في مفتاح التشغيل. لا أثر لاصطدام. لا آثار فرملة. لا شظايا زجاج. كان الداخل سليما.
وكانت المذكرة لا تزال على مقعد الراكب الأمامي.
كانت حقيبة باتريشيا داخل السيارة. ومحفظتها وهويتها وبطاقاتها الائتمانية. لم يس*رق شيء. بدا الأمر كما لو أن السيارة قد أوقفت عمدا ثم تركت.
أربك موقع السيارة حتى أكثر الضباط خبرة. فالكيلومتر 60 يقع في واحد من أكثر مقاطع الطريق قسوة ووحشة. لا مسارات معلمة ولا مبان قريبة. فقط مياه راكدة ونبات كثيف وصوت دائم للحشرات والطيور.
ليست الإيفرغلادز غابة عادية. إنها نظام بيئي خادع. تبدو الأرض صلبة حتى لا تعود كذلك. هناك مناطق يمكنك أن تمشي فيها أمتارا ثم تهبط فجأة حتى الص*در. قنوات مخفية. كائنات خطرة. تماسيح وأفاع وفهود.
إن كانت باتريشيا قد خرجت من السيارة بإرادتها فلا يوجد سبب واضح. لم تكن هناك اتصالات استغاثة. لم تكن هناك رسائل. لم توجد دلائل على مطاردة.
بدأت عمليات البحث في اليوم التالي.
فرق إنقاذ ومتطوعون ومروحيات وكلاب تتبع. جرى تفتيش القنوات والأدغال والمناطق المغمورة بالماء. كانت الكلاب تفقد الأثر بعد أمتار قليلة من السيارة. كان الماء يمحو كل شيء. وكانت كل يوميات البحث تنتهي بالنتيجة نفسها لا شيء.
مرت أسابيع ثم أشهر.
توقفت التحقيقات سريعا. لم يكن هناك مشتبهون. لم يكن هناك شهود. لم تكن هناك أدلة مادية تدل على جريمة. اقترح بعض المحققين أن باتريشيا ربما عانت أزمة نفسية ودخلت المستنقع. وتحدث آخرون عن ح*ادث تلاه تيه وفقدان اتجاه.
لكن من عرف باتريشيا رفض ذلك. لم تكن لها سوابق اضطرابات نفسية. لم تكن هناك علاما*ت ضغط شديد. كانت حياتها تمر بمرحلة جيدة.
بدأت القضية تبرد.
خلال السنوات الثلاث التالية نظمت عمليات بحث متقطعة. كان كل موسم جفاف يتيح استكشاف مناطق جديدة. وكان كل اكتشاف محتمل ينتهي بحيوان أو بقايا قديمة أو لا شيء على الإطلاق. بدا أن الإيفرغلادز قد ابتلعت باتريشيا دون أثر.
حتى إن أحدا عثر عليها بعد ذلك بالضبط بثلاث سنوات.
لم تعثر عليها قرب الطريق. ولا في قناة. بل في قلب منطقة عدت شبه غير قابلة للاختراق.
كانت حية.
لكنها تغيرت تغيرا عميقا.
وكانت تمسك بين يديها شيئا لم يستطع أحد تفسيره.
إن لغز قضية باتريشيا لورانس الحقيقي لم يبدأ مع اختفائها.
بل بدأ مع عودتها.
وقع العثور على باتريشيا لورانس في صباح رمادي في أواخر أكتوبرتشرين الأول 2015 بعد اختفائها بنحو ثلاث سنوات تقريبا. كان فريق من حراس الغابات يجري تفقدا روتينيا في منطقة محظورة الوصول داخل منتزه إيفرغلادز الوطني في مساحة تعرف بشكل غير رسمي باسم الوعاء بسبب شكلها الطبيعي انخفاض محاط بنبات كثيف إلى درجة أن ضوء الشمس بالكاد ينفذ إليه.
لم يكن مكانا يمكن أن يصل إليه أحد مصادفة.
لاحظ أحد الحراس شيئا غير طبيعي قرب مجموعة من أشجار السرو. لم يكن صراخا ولا حركة. بل كان سكونا غير مألوف. وعندما اقترب ظن أول الأمر أنه أمام ج*ثة. هيئة بشرية جالسة في الطين مغطاة بالأوساخ بشعر متشابك وثياب ممزقة إلى خرق.
لكن الهيئة رفعت رأسها ببطء.
فتراجع الرجل غريزيا.
كانت المرأة حية.
لم تتفاعل باتريشيا عندما ناداها باسمها. لم تجب عن أسئلة بسيطة. لم تحاول الوقوف. كانت عيناها مفتوحتين أكثر مما ينبغي بنظرة ثابتة تكاد تكون حيوانية. وكانت بشرتها شديدة الشحوب على نحو لا يتوافق مع من قيل إنها أمضت سنوات في العراء وكانت شفتاها تتحركان بخفة كما لو أنها تتمتم شيئا بلا صوت.
أكثر ما أرعب المنقذين هو ما كانت تمسكه بين يديها.
دمية.
ليست دمية تجارية ولا لعبة طفل معروفة. كانت هيئة بدائية الصنع جسدها من ألياف نباتية وثيابها من قصاصات قماش قديم. وكان شعرها طويلا داكنا شعرا بشريا مثبتا بطريقة غير منتظمة كما لو أنه انتزع ثم خيط أو ربط بصبر هوسي.
كانت باتريشيا تقب*ض على الدمية بقوة جعلتها لا تفلتها حتى عندما حاولوا رفعها.
اضطروا إلى تخديرها لنقلها.
جرت عملية الإنقاذ بسرية صارمة. ورغم أن بعض وسائل الإعلام علمت بأن امرأة وجدت حية في منطقة نائية فإن هويتها لم تعلن فورا. نقلت باتريشيا إلى مستشفى في نابلس Naples تحت إشراف طبي وشرطي.
كان الفحص الأولي محيرا.
كانت مص*ابة بالجفاف لكن ليس إلى حد الهزال القاتل. على جسدها ندوب سطحية عديدة ولدغات حشرات قديمة وجروح التأمت على نحو غير منتظم. لم تظهر كسورا ولا إص*ابات خطرة حديثة. كان وزنها منخفضا لكنه يتوافق مع بقاء طويل مع وصول محدود للطعام.
لم تكن هناك علاما*ت واضحة على عت,,داء جسدي.
لكن الضرر النفسي كان جليا.
لم تكن باتريشيا تتكلم. لم تستجب للمؤثرات الخارجية. لم تبد وكأنها تتعرف إلى عائلتها حين استدعيت. كان نبضها يتسارع عند الأصوات العالية أو الأضواء القوية. كانت تنام فترات قصيرة وتفزع كثيرا. وفي كل لحظة كانت تصر على بقاء الدمية قربها. وحين حاول الطاقم أخذ الدمية لتحليلها دخلت باتريشيا في هلع شديد.
قرر الأطباء السماح لها بالاحتفاظ بها.
وفحصت الدمية لاحقا بحذر شديد. تبين أن الشعر البشري عليها يطابق جينيا شعر باتريشيا. كان شعرها هي. قص أو انتزع في أوقات مختلفة. وبدت بعض الألياف كأنها تعرضت للماء فترات طويلة. ولم يكن عمر الدمية أكثر من سنة ما يعني أن باتريشيا صنعتها بعد اختفائها بزمن طويل.
وهذا طرح سؤالا مقلقا
أين كانت خلال العامين الأولين
عاد المحققون إلى الكيلومتر 60. بحثوا عن مسارات محتملة. حللوا خرائط طبوغرافية. للوصول إلى المكان الذي عثر عليها فيه كان على باتريشيا أن تعبر





