
ممرضه امانى السيد
مزدحمة، وحازم مشغول بمتابعة أكتر من حالة في القسم. دخلت لها ممرضة أقدم منها، وطلبت منها تراجع تعليمات الطبيب الخاصة بمريض محتاج دواء بجرعة محددة، لكنها كانت مستعجلة وعايزة تخلص بسرعة، فبدل ما تتأكد من بيانات المړيض والجرعة المكتوبة في الملف، اعتمدت على فهمها السريع للتعليمات، وجهزت جرعة غير مطابقة للوصفة الطبية.
ولحسن الحظ، قبل إعطاء الدواء، لاحظت الممرضة المسؤولة وجود اختلاف بين الجرعة المجهزة والجرعة المسجلة في الملف، فأوقفت الإجراء فورًا، وطلبت مراجعة الطبيب والصيدلي، واتعملت الإجراءات اللازمة لحماية المړيض.
لكن الموقف ماعداش بسهولة؛ لأن مراجعة الواقعة كشفت إن يمنى تجاوزت خطوات أساسية من التحقق، وإنها ماطلبتش المساعدة رغم إنها كانت عارفة إنها لسه مش متمكنة من الإجراء.
استدعتها رئيسة التمريض، وسألتها بصرامة
إنتِ كنتِ هتعملي إيه لو الممرضة ماخدتش بالها من الخطأ ده؟!
يمنى بدأت ټعيط وقالت
أنا ماكنتش أقصد أضر المړيض، والله أنا كنت مستعجلة، ومكنتش أعرف إن فيه مشكلة.
ردت رئيسة التمريض بحزم
إحنا مش بنتكلم عن نيتك يا يمنى، إحنا بنتكلم عن حياة مريض. الشغل هنا مش مكان للتجربة ولا للاستهتار، وأي إجراء مش متأكدة منه لازم ترجعي فيه للمسؤول المختص.
وبناءً على الواقعة، تم إيقافها عن ممارسة المهام السريرية لحين انتهاء التحقيق، وإحالة الواقعة إلى لجنة مختصة لمراجعة مدى التزامها بمتطلبات التدريب والسلامة المهنية.
أما حازم، فلما عرف باللي حصل، جري على مكتب رئيسة التمريض وقال بعصبية
إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟! البنتلسه متدربة، ومش معقول تحاسبوها على كل غلطة!
بصت له وقالت
المتدرب بيتعلم تحت إشراف، لكن ده مش معناه إن حد يسيبه يتصرف من غير مراجعة، ولا إننا نتجاهل واقعة كان ممكن تعرض حياة مريض للخطړ.
حازم حاول يدافع عنها، لكن الإدارة طلبت مراجعة دوره في تدريبها، خصوصًا بعد الشكاوى السابقة المتعلقة بتوزيع الشفتات والمهام.
ومع مراجعة سجلات العمل، ظهرت مشكلة أكبر؛ حازم كان بيتولى مهام أكتر من قدرته على المتابعة، وبيعتمد على نقل مسؤولياته لنادية سابقًا، وبعد خروجها من حياته المهنية والشخصية، بدأ يتأخر في إنجاز بعض المهام، ويترك متابعة حالات لزملاء من غير تسليم واضح للمسؤوليات.
وفي واقعة تانية، اضطرت ممرضة تتدخل بسرعة لاستكمال متابعة حالة مريض بعد ما اكتشفت إن جزءًا من إجراءات المتابعة المطلوبة ما اتنفذش في موعده. اتعملت مراجعة كاملة للواقعة، واتأكدت الإدارة من إن المړيض تلقى الرعاية اللازمة، لكن تكرار المشكلات خلّى الإدارة تعتبر الأمر خطرًا مهنيًا لا يمكن تجاهله.
استُدعي حازم للتحقيق، واتواجه بالسجلات وشهادات العاملين، لكنه حاول يبرر موقفه بضغط العمل، وقال
أنا كنت شايل القسم كله تقريبًا، ومحدش كان بيساعدني!
رد عليه المسؤول الإداري
ضغط الشغل مش مبرر لتعريض المرضى للخطړ، ولو حجم العمل أكبر من قدرتك، كان لازم تطلب دعمًا رسميًا بدل ما توزع مسؤولياتك بشكل غير منظم.
وبعد مراجعة الوقائع وسماع أقواله، قررت إدارة المستشفى إنهاء عمله وفقًا للإجراءات المعمول بها، بسبب المخالفات المهنية المثبتة في التحقيق، مع إحالة ما يلزم إلىالجهات المختصة.
أما يمنى، فبعد انتهاء التحقيق، صدر قرار بإنهاء تدريبها وفصلها من البرنامج التدريبي، مع توثيق الواقعة وإحالتها للمراجعة المهنية وفقًا للوائح المستشفى.
وفي اليوم اللي صدر فيه القرار، كانت نادية داخلة المستشفى لاستلام بعض أوراقها الإدارية، لما شافت حازم خارج من مكتب الإدارة، شايل متعلقاته الشخصية، ووشه مليان ڠضب وندم.
وقف قدامها وقال
إنتِ مبسوطة كده يا نادية؟! ده أنا خسړت شغلي وحياتي كلها!
بصت له بهدوء وقالت
أنا ماخسرتكش شغلك يا حازم، ولا أنا اللي
خليتك تستهتر بمسؤوليتك. إنت اللي اخترت تستغل شغلك عشان
تقرب من يمنى، وتسيب مسؤولياتك، ولما واجهتك بالحقيقة حاولت تأذيني بدل ما تصلح غلطك.
قال بمرارة
يعني مفيش أي فرصة إنك تسامحيني؟
هزت راسها وقالت
المسامحة حاجة، وإني أرجع أعيش معاك حاجة تانية. أنا مش بتمنى لك الأڈى، لكن مش هقدر أشيل نتيجة اختياراتك بدل منك تاني.
وسابته ومشيت.
وبعد أيام، عرفت إن يمنى بتحاول تدور على فرصة عمل جديدة، وإن حازم بيواجه صعوبة في إيجاد وظيفة مناسبة بعد اللي حصل، وإن الاتنين بقوا بعيد عن الحياة اللي كانوا فاكرين إنهم يقدروا يعيشوها على حساب تعب غيرهم.
أما نادية، فكملت حياتها وشغلها، وبدأت تستعيد ثقتها في نفسها، وبقت كل ما تفتكر اللي حصل، تحمد ربنا إنها اكتشفت الحقيقة قبل ما تضيع سنين أكتر في علاقة ماكانش فيها تقدير ولا أمان.
وفي النهاية، اتعلمت نادية إن الطيبة مش ضعف، وإن مساعدة الآخرين مش معناها إننا نسمح لهم يستغلونا، وإن المسؤولية، خصوصًا لما تكون مرتبطة بأرواح الناس،مافيهاش مجال للدلع أو المجاملة.





