قصص قصيرة

كان فيه طالب غلبان

كان فيه طالب غلبان قبل شغلانة ينضّف بيت ست عجوزة عايشة لوحدها في حارة صغيرة.

ولما شاف إنها مريضة ومش قادرة تتحرك كويس، الشاب ما اكتفاش بالشغل اللي متفق عليه وبس… لأ، ده كمان كان بيطبخ لها، ويروح السوق يجيب لها طلباتها، ويوديها المستشفى كل ما تتعب.

مرّت شهور طويلة… والعجوزة ما دفعتلوش الفلوس اللي وعدته بيها.

لكن قبل ما تمو.ت، سابت رسالة واحدة بس… خلت الشاب يتصدم.

اسمي دييجو، عندي 21 سنة، وبدرس في السنة التالتة في جامعة في مدينة جوادالاخارا.

علشان أقدر أصرف على دراستي ومصاريفي اليومية، بشتغل أي شغلانة نص يوم: من دروس خصوصية لطلبة صغيرين، لحد ما أساعد في كافيه.

في يوم، وأنا بتصفح جروب على فيسبوك بينزلوا فيه فرص شغل، لقيت إعلان بيدوروا فيه على حد ينضف بيت دونا كارمن، ست كبيرة في السن عايشة لوحدها في حارة صغيرة قريب من وسط المدينة.

أول مرة رحت بيتها، اتصدمت من شكلها قد إيه كانت ضعيفة.

كانت دونا كارمن رفيعة جدًا، شعرها أبيض بالكامل، وإيديها بتترعش وهي متسندة على عكاز.

بيتها كان بيت صغير وقديم، مليان حاجات عتيقة:

راديو بايظ ما بيشتغلش، شوية صور قديمة باهتة معلقة على الحيطة، وسرير خشب واضح عليه أثر السنين.

قالت لي إنها بتعاني من الروم,,اتيزم والضغط، ومش قادرة تمشي كويس، علشان كده محتاجة حد ينضف البيت مرة كل أسبوع.

الشغل كان بسيط:

كنس الأرض، مسح التراب، وغسل شوية أطباق.

ووعدتني إنها هتديني 200 بيزو في كل زيارة.

وبالنسبة لطالب زيي… الفلوس دي كانت مهمة جدًا.

في الزيارات اللي بعد كده، بدأت ألاحظ قد إيه حياتها كانت صعبة.

التلاجة تقريبًا كانت فاضية طول الوقت…

كام بيضة بس، وشوية خضار دايب.

كتير كان أكلها مجرد رز بشوية صلصة.

سألتها مرة: ليه عايشة كده؟

قالت لي إن أولادها عايشين بعيد… ومش حابة تزعجهم.

صعبت عليّا جدًا.

علشان كده، بعد ما أخلص التنضيف، بقيت أقعد شوية زيادة…

أروح السوق أجيب لحمة أو سمك، وأطبخ لها أكلة محترمة.

دونا كارمن كانت بتفرح جدًا لما أطبخ لها.

عيونها كانت بتنور أول ما تدوق الشوربة السخنة اللي بعملها.

وفي مرات كتير، لما ألم المفاصل عندها كان يزيد، كنت أنا اللي بوديها المستشفى الحكومي، وأستنى معاها لحد ما تستلم العلاج.

مرة وإحنا خارجين من المستشفى، مسكت إيدي وقالت بصوت هادي:

— “إنت شبه ابني الصغير جدًا… كان هو كمان شاب طيب.”

لكن الشهور عدت…

ودونا كارمن ما دفعتليش ولا جنيه.

ومع كده… فضلت أساعدها.

لحد اليوم اللي م,,اتت فيه…

وسابت رسالة واحدة غيرت حياتي للأبد.

في صباح يوم بارد من أيام نوفمبر…

كنت رايح زي كل أسبوع لبيت دونا كارمن.

كنت شايل كيس فيه شوية خضار وحساء سخن عملته لها قبل ما أخرج من البيت.

كنت عارف إن صحتها بقت أضعف بكتير الأيام اللي فاتت.

خبطت على الباب.

مرة…

اتنين…

تلاتة.

مفيش رد.

استغربت.

دونا كارمن كانت دايمًا بترد حتى لو بصوت ضعيف.

جربت أفتح الباب… لقيته موارب.

دخلت وأنا بنادي:

“دونا كارمن؟ أنا دييجو…”

البيت كان هادي بشكل غريب.

الساعة القديمة على الحيطة بس هي اللي كانت بتعمل صوت تك… تك… تك.

مشيت ناحية أوضتها.

ولما فتحت الباب…

وقفت مكاني.

كانت نايمة على السرير…

وشكلها هادي جدًا.

لكن…

عرفت فورًا إنها م,,اتت.

اتجمدت مكاني.

ما كنتش عارف أعمل إيه.

قعدت جنب السرير… ومسكت إيدها الباردة.

ولأول مرة من شهور… حسيت إن البيت بقى فاضي بجد.

اتصلت بالإسعاف وبالشرطة، وبعد ساعات قليلة خدوها.

وأنا كنت ماشي من البيت…

الجار العجوز اللي ساكن قصادها ناداني.

قال لي:

“إنت دييجو؟”

هزيت راسي.

طلع ظرف صغير من جيبه وقال:

“قبل ما تمو.ت بيوم… دونا كارمن طلبت مني أديك الظرف ده.”

قلبي دق بسرعة.

فتحت الظرف وأنا واقف في الشارع.

كان فيه رسالة مكتوبة بخط إيدها المرتعش.

وكان فيها كمان مفتاح صغير.

فتحت الرسالة… وبدأت أقرأ.

“عزيزي دييجو…

أنا عارفة إنك مستغرب ليه ما دفعتلكش الفلوس اللي وعدتك بيها.

الحقيقة…

كنت عايزة أعرف حاجة واحدة بس:

هل هتفضل تساعدني لو الفلوس اختفت؟

ولا كنت هتختفي زي باقي الناس؟

أولادي سابوني من سنين…

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى