قصص قصيرة

عاد أبي متأخرًا فسمع توسّل طفلته خلف باب مغلق… وما اكتشفه دمّر كل شيء

في نظر الجميع كانت زوجتي تبدو امرأة مثالية.
لكن في إحدى الليالي عدت إلى المنزل قبل موعدي المعتاد وسمعت ابنتي ذات الأعوام الستة تتوسل باكية خلف باب مغلق.
ما دخلت عليه في تلك اللحظة حول بيتنا إلى كابوس وجعلني الشخص الوحيد القادر على إخراج أطفالي أحياء.
كانت الضربة الأخيرة لقلمي فوق العقد أثقل مما ينبغي.
كان الوقت قد تجاوز التاسعة مساء وجدران مكتبي الزجاجية تعكس صورة رجل يبدو مسيطرا على كل شيء لكنه من الداخل أجوف.
أسفل المبنى كانت نيويورك تتلألأباردة بعيدة لا مبالية.
أمضيت سنوات أبني إمبراطورية أبرم الصفقات وأرسم ملامح الأبراج في الأفق.
اسمي إيثان كالدويل كان يفتح الأبواب في كل مكان.
إلا الأبواب التي كانت تهمني حقا.
على مكتبي وضع إطاران للصورة.
في الأولى كانت سارةزوجتي الأولىتبتسم في حديقة ثابتة لطيفة حقيقية.
وفي الثانية كانت ابنتي ليلي تضحك وهي تمسك ببالون يكاد يكون أكبر منها.
ذلك الضحك خفت صوته منذ اليوم الذي ماتت فيه سارة وهي تلد ابننا نوح.
لم يختف الحزن.
بل دفن فقط تحت الرحلات والاجتماعات والإرهاق.
ومن داخل ذلك الإرهاق دخلت مادلين بيرسالصديقة المقربة لسارة المرأة التي قال الجميع إنها هدية من السماء.
نظمت شؤون المنزل هدأت دموع ليلي سهرت مع رضيع لا ينام وتحدثت إلي بلطف حين كنت بالكاد أعرف كيف أتكلم أصلا.
وخلال عام واحد تزوجنا.
سمى الناس ذلك معجزة.
أرمل أنقذ.
وأطفال استعيدوا.
وأدت مادلين الدور بإتقان كامل حفلات خيرية ابتسامات ناعمة كلمات مثالية.
وكنت أنا قد خلطت الامتنان بالحب.
في تلك الليلة وأنا أغلق حقيبتي الجلدية تسللإلى ذهني خاطر قبيح لم يفارقني
متى كانت آخر مرة وضعت ليلي في سريرها هل تعرف أصلا كيف يضحك نوح
أمسكت مفاتيحي وقدت إلى المنزل دون سابق إنذار.
كانت الطرقات هادئة.
لمعت في داخلي شرارة أمل غريبةربما تركض ليلي نحوي ربما يمد نوح يديه وربما تكون مادلين سعيدة حقا بعودتي.
انفتحت البوابة.
بدا تنسيق الحديقة مثاليا.
وتدفقت أضواء دافئة على الشجيرات المشذبة.
لكن الصمت كان خاطئا.
في الداخل كان البيت يفوح برائحة الورود والفراغ.
مادلين ناديت.
لا جواب.
ليلي نوح
كنت في منتصف صعود السلالم حين سمعتهصوتا صغيرا مكسورا مذعورا.
أرجوك يا أمي أرجوك لا تؤذينا همست طفلة. نحن جائعون.
تجمد الدم في عروقي.
كانت ليلي.
اندفعت عبر الممر ودفعت باب غرفة اللعب بقوة.
كانت ليلي جالسة على الأرض فستانها ممزق وملطخ وذراعاها مطبقتان حول نوح كدرع.
كان بكاء نوح ضعيفامنهكا متقطعا.
وكانت مادلين تقف فوقهما ترتدي فستانا أحمر ضيقا وتمسك بزجاجة الحليب كما لو كانت سلاحا.
اصمتي قالت بحدة. إن عصيت مرة أخرى ستنامين في الخارج.
أسقطت الزجاجة.
تناثر الحليب على الرخام.
ارتعشت ليلي ثم شدت ذراعيها حول أخيها أكثر.
انكسر شيء في داخلي.
ماذا تفعلين بأطفالي قلت وصوتي يرتجفلا من خوف بل من غضب حاد أوجع أسناني.
استدارت مادلين.
ولجزء من ثانية سقط القناعذعر حساباتثم عاد الابتسام إلى وجهها كقناع يثبت بإحكام.
إيثان قالت بدلال أفزعتني. أنا فقط أعلم الانضباط. إنهم يبالغون حين يتعبون.
لم أجادل.
لم أتفاوض.
حملت نوح إلى صدري.
كان يرتجف كعصفور في عاصفة.
اندفعت ليلي إلى يدي دون تردد وتمسكت بها كما لو كانت تخشى أن أختفي.
نظرت إلى مادلين وقلت بصوت مسطح
اذهبي إلى غرفتنا. سنتحدث غدا.
ضحكت بخفوت ومدت يدها نحو ذراعي.
أنت مرهق. أنت تسمح لنوبات غضبهم الصغيرة
تراجعت خطوة.
لا مزيد.
في تلك الليلة نمت مع أطفالي في سريري.
تمسكت ليلي بكم قميصي.
واستقر تنفس نوح أخيرا على صدري.
اشتعل العار في صدري.
لقد تركتهم هنا.
وثقت بالشخص الخطأ.
وكنت غائبا بينما كان أطفالي يتعلمون الخوف.
مع الفجر اتجهت مباشرة إلى المطبخ.
لم أنم سوى دقائق متقطعة لكن الإرهاق لم يكن هو المسيطر بل وضوح قاس لم أعرفه من قبل.
تجمدت روزا مدبرة المنزل القديمة حين رأتني واقفا هناك بملابسي نفسها وعينين لم تعرفا الراحة.
سيدي لم أكن أعلم أنك في البيت.
لم أرفع صوتي. لم أظهر غضبا.
قلت بهدوء جعلها ترتجف أكثر
روزا قولي لي الحقيقة. كاملة.
ترددت لحظة كأنها تزن سنوات من الصمت في كفها.
ثم بدأت يداها ترتجفان وصوتها يهبط
هي مختلفة حين لا تكون هنا. الأطفال يخافون منها سيدي. يخافون كثيرا. حاولت التدخل أكثر من مرة لكن
توقفت وابتلعت ريقها.
لكنها تراقب كل شيء. كل حركة. كل كلمة. تعاقبهم إن بكوا. إن طلبوا الطعام. تقول إن الجوع يعلمهم الطاعة.
لم أشعر بالغضب كما توقعت.
شعرت بهدوء مرعب كأن شيئا في داخلي انطفأ ليفسح المجال لشيء أصلب.
هذا ينتهي قلت ببطء. اليوم.
في تلك الصباحة جلست مادلين إلى طاولة الإفطار مبتسمة مرتبة بعناية مبالغ فيها كأن الليلة الماضية لم تكن موجودة أصلا وكأن شيئا لم ينكسر في هذا البيت.
كان شعرها مصففا صوتها هادئا حركاتها محسوبة.
تحدثت عن الطقس عن احتمال المطر عن جدول الأطفال المدرسي وعن حفلة خيرية قادمة كانت تتحدث عنها بحماس مصطنع وكأنها تستعرض دورا اعتادت إتقانه أمام الجميع.
كنت أومئ برأسي أجيب حين يجب وأبتسم حين ينتظر مني أن أبتسم.
لكن ذهني لم يكن هناك.
كان بعيدا عنها.
بعيدا عن الطاولة.
بعيدا حتى عن المكان.
كان ذهني عمليا على نحو لم أعهده من قبل.
باردا بلا قسوة.
دقيقا بلا تردد.
كأن شيئا داخلي قرر أن العاطفة انتهت مهمتها وأن الوقت حان للفعل.
أعطيت روزا تعليمات هادئة قصيرة لا تلفت الانتباه ولا تثير الريبة.
طلبت منها التقاط صور معينة في أوقات محددة.
تدوين ملاحظات دون تعليق.
تسجيل تواريخ وأوقات حتى تلك التي بدت بلا معنى.
لم أسألها إن كانت قادرة كنت أعرف أنها ستفعل.
ثم فعلت ما كان ينبغي أن أفعله منذ أشهر طويلة وربما منذ اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة أن شيئا ليس على ما يرام
توقفت عن الثقة بانطباعاتي وعن محاولة تفسير الأمور بحسن نية
وبدأت أتعامل مع الحقيقة كملف لا يقبل العاطفة ولا الأعذار.
عدت إلى المنزل في أوقات عشوائية دون إنذار دون جدول.
كنت أدخل بصمت أقف خلف الأبواب أصغي.
أحيانا كنت أسمع الصمت نفسه وأحيانا أسمع ما كان يكفي لتحطيم أي شك.
سجلت نبرة مادلين حين تظن نفسها وحدها
نبرة لا تشبه صوتها أمام الناس لا تشبه ضحكتها المصقولة ولا كلماتها المختارة بعناية.
كانت نبرة حادة جافة كأنها صادرة من شخص آخر شخص لا يرى الأطفال إلا عبئا يجب ضبطه ولا يسمع في بكائهم سوى إزعاج يجب إسكاته.
سجلت نشيج ليلي المكتوم ذلك البكاء الذي لا يطلب العون بل يخشى أن يكتشف.
بكاء طفلة تعلمت أن الصوت العالي يجلب العقاب وأن الصمتولو كان مؤلماأكثر أمانا.
وسجلت بكاء نوح المتقطع بكاء طفل لم يتعلم بعد الكلمات لكنه تعلم باكرا أن الصراخ لا ينقذه

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى