
مليونير رجع بعد 9 سنين لمراته السابقة… ولما فتح الباب اتجمّد من اللي شافه
كان روبرتو كافالكانتي يضغط على الرسالة كما لو كانت طوق نجاة غير أن الورقة المجعدة لم تكن قادرة على حمل ثقل إمبراطورية كانت توشك أن تنهار فوقه. وعلى زجاج مكتبه كانت المدينة تلمع بغطرستها المعتادة أبراج شاهقة وازدحام لا ينتهي ورجال يركضون في عجلة متصنعة كأنهم يسيطرون على كل شيء. ومع ذلك وهو في الخامسة والستين كان روبرتو يتنفس كمن أنهى ركضا بلا وجهة. ولأول مرة منذ عقود لم تكن لديه إجابات.
وصلت الرسالة بلا مرسل. لم تحمل سوى اسم لم يره مكتوبا منذ تسع سنوات مارلين. وأسفل الاسم عنوان ضائع في داخل بيرنامبوكو عند نقطة على الخريطة بدا جهاز الملاحة نفسه مترددا في تحديدها. كان روبرتو يقسم أن حياته كلها بنيت كي لا يعود إلى هناك وكي لا يعود إليها وكي لا يعود إلى ذلك اليوم الذي صرخ فيه وأهان وطرد ثم أغلق الباب كما يغلق فصلا كاملا. لكن الرسالة لم تحمل عتابا ولا لوما. حملت إحداثية واحدة. كأن الماضي لا يريد أن يبقى مدفونا.
قال كارلوس سائقه الموثوق حين رأى روبرتو قد ثبت نظره على الطريق هل أنت متأكد يا سيد كافالكانتي
فأجابه روبرتو بحزم بدا أقرب إلى الخوف منه إلى القرار هذه المرة سأذهب وحدي.
استأجر شاحنة بسيطة وترك بدلتهوارتدى قميصا عاديا ثم قاد ساعات طويلة في طريق مغبر. ومع كل كيلومتر كان الهواء يتبدل إسمنت أقل وتراب أكثر ضجيج أقل وصمت أعمق. راح روبرتو يجرب في ذهنه ألف جملة محفوظة واعتذارات مصاغة بعناية وتبريرات تنقذ كبرياءه. غير أن ما لم يستطع أن يدرب نفسه عليه هو ذلك الإحساس بأن شيئا ما ينتظره في النهاية شيء قد يشطره نصفين.
وعندما أعلن جهاز الملاحة الوصول ضغط روبرتو على المكابح بغتة. بقي ساكنا ويداه مشدودتان على المقود. لم تكن أمامه منزلا بقدر ما كانت جرحا مفتوحا جدران طينية متقشرة سقف هابط أخشاب نخرها الزمن مكان من النوع الذي تجاهله مال روبرتو طوال حياته. ومع ذلك فهذا هو العنوان.
نزل وفي يده باقة زهور اشتراها بدافع مفاجئ من كشك على الطريق. شعر بالسخف. زهور بعد تسع سنوات انتزع هواء السرتاو بتلة من الباقة وقذف بها في الغبار كأنها جواب. ابتلع روبرتو ريقه وطرق الباب.
ونادى بصوت لم يشعر أنه صوته مارلين
انفتح الباب ببطء وهو يئن عند المفاصل وكانت هناك.
كانت مارلين وفي الوقت نفسه لم تكن هي. شعرها الذي كان أشقر مصقولا صار رماديا مرفوعا في كعكة بسيطة. ويداها بدتا معلمتين بالكد خشنتين كأنهما تعلمتا مصارعة الحياة. لكن ما صدمه حقا كان عيناها خضراوان نعم بلا بريق سكينة باردة تجرح أكثر من أي شتيمة.
قالت دون أن تفتح الباب تماما ماذا تفعل هنا يا روبرتو
أحس أن الكلمات علقت في حلقه. تسع سنوات وهو يبني الأعذار وفجأة لم ينفع عذر واحد.
قال كنت بحاجة إلى رؤيتك علينا أن نتحدث.
فقالت وهي تعقد ذراعيها بعد كل ما فعلته بعد تسع سنوات
رفع روبرتو الزهور كطفل أخرق يعرض عفوا رخيصا.
قال متلعثما أنا لا آتي لأهينك. آتي لأنني لأنني أخسر كل شيء.
نظرت مارلين إلى الباقة كما لو كانت مزحة سيئة.
قالت هل جئت لتشتري ضميري لتجرب ما اعتدت عليه دائما
وفي تلك اللحظة ظهر رجل مسن في الممر يحمل دلو ماء. حيا مارلين بألفة ونظر إلى روبرتو بريبة.
قال كل شيء بخير يا دونيا مارلين
فأجابته بنبرة لينة لم يتذكر روبرتو أنه سمعها منها منذ سنين كل شيء بخير يا سيد أنطونيو إنها مجرد زيارة.
وحين ابتعد الجار تنهدت مارلين وفتحت الباب على مضض.
قالت ادخل. لا أريد كلام الناس.
كان الداخل ضربة أخرى. غرفة واحدة تقوم مقام غرفة الجلوس والمطبخ معا. مروحة قديمة تدور ببطء كأنها متعبة. أثاث قليل بعضه من خشب معاد استخدامه. لا رفاهية. لا راحة. ومع ذلك كان هناك نظام وكانت هناك كرامة.
قالت مشيرة إلى كرسي بلاستيكي اجلس.
جلس روبرتو كمن لا يعرف أين يضع جسده. نظر حوله يحاول أن يفهم كيف لامرأة عاشت في القصور أن تعيش هنا.
قال مارلين كيف انتهى بك الحال إلى هذا
رمقته نظرة ثابتة.
قالت هل تريد أن تعرف حقا أم تريد فقط أن تشعر بذنب أقل
فتح فمه لكنها لم تمهله.
قالت بعد أن رميتني في الشارع حاولت أن أبدأ من جديد. بعت مجوهراتي. استأجرت شقة صغيرة. بحثت عن عمل. أتدري ماذا وجدت أبوابا مغلقة. أناسا يقولون لدينا شخص بالفعل. صمتا. شائعات.
قطب روبرتو جبينه وقال أنا لم
فقطعته بدقة موجعة بل أنت. قلت إنني غير مستقرة. وإنني أردت سرقة أسرار. وإنني خطيرة. لم يكفك أن تخرجني من بيتك أردت أن تمحو اسمي من كل مكان.
ثقل الهواء. أحس روبرتو بحرقة في حلقه. كان قد قضى سنوات يبرر الشجار الخيانة كبريائي. لكن هنا في هذا البيت المتواضع كانت الحقيقة تبدو مختلفة كانت تبدو قذرة.
تابعت مارلين وهي تنظر إلى النافذة كأنها تروي حكاية شخص آخر عندما نفد المال طردت من السكن. قضيت أشهرا في مأوى للنساء. أشهرا يا روبرتو مع الخوف ومع الجوع ومع البرد. ثم حصلت على عمل في تنظيف مستشفى. وما كنت أتقاضاه بالكاد يكفي غرفة في نزل.
شد روبرتو قبضتيه وقال أنا لم أكن أعلم.
فقالت دون أن ترفع صوتها





