قصص قصيرة

ظنّ أنه فاز بكل شيء في زفافه… ولم يكن يعلم ما كتبته أمي قبل موتها

كنت أظن أن لا شيء يمكن أن يكون أشد إيلاما من مشاهدة أمي وهي تموت. كنت مخطئة.
لقد حاربت سرطان الثدي قرابة ثلاث سنوات. وفي أيامها الأخيرة بالكاد كانت تمتلك القوة لتجلس مستقيمة ومع ذلك لم تتوقف عن القلق هل أتناول طعامي جيدا هل أخي روبرت يلتزم بدفع فواتيره هل يتذكر أبي تناول دواء ضغط الدم
حتى وهي تحتضر لم تتوقف يوما عن كونها أما.
بعد أن دفناها ظل البيت محتفظا برائحة المطهرات وكريم اللافندر الذي كانت تستخدمه.
وكان الناس يكررون العبارات نفسها مرارا وتكرارا
لم تعد تتألم.
كانت قوية بشكل لا يصدق.
الوقت كفيل بأن يخفف الألم. ستكونون بخير.
لكن الوقت لم يخفف شيئا.
بل جعل الصمت أثقل.
بعد ثلاثة أشهر من الجنازة طلب منا أبيأنا وروبرتأن نزوره.
لنتحدث فقط قال عبر الهاتف بنبرة حذرة على غير عادته.
عندما دخلنا غرفة الجلوس لم يكن شيء قد تغير. معطف أمي ما زال معلقا قرب الباب. شبشبها ما زال مدسوسا تحت الأريكة. اختفت زهور العزاء لكن الفراغ الذي تركته بدا دائما.
كانت خالتي لورا جالسة إلى جانب أبي شقيقة أمي الصغرى. بدت متوترة يداها مشبوكتان بقوة وركبتاها متلاصقتان وعيناها محمرتان كأنها بكت سابقا لكن ليس مؤخرا.
أتذكر أنني فكرت حينها لماذا هي هنا
قال أبي أخيرا
أريد أن أكون صريحا معكما. لا أريد أسرارا.
كان ينبغي أن تكون تلك أول إشارةإنذار.
مدت لورا يدها وأمسكت بيده. لم يسحبها.
قال أبي
تعرفت إلى شخص ما. لم أكن أتوقع ذلك. ولم أكن أبحث عنه.
تجهم روبرت
ماذا تقول
تردد أبي ثم قال
لورا وأنا نحن معا.
شعرت وكأن الغرفة تدور بي. حدقت فيه منتظرة أن يكون الأمر مزحة. لم يكن كذلك.
أنتم معا
قالت لورا بسرعة
لم نخطط لهذا. أرجوكما تفهما. الحزن يغير الناس.
أومأ أبي
اعتمدنا على بعضنا. فقدنا الشخص نفسه. الأمور حدثت تلقائيا.
نهض أخي فجأة
تقول لنا هذا بعد ثلاثة أشهر فقط من وفاة أمي ثلاثة أشهر.
قال أبي بهدوء
أعرف كيف يبدو الأمر. لكن الحياة قصيرة. وفقدان أمكما جعلني أدرك ذلك.
كانت تلك الجملة مؤلمة. أردت أن أصرخ هي من فقدت حياتها لا أنت.
لكنني بقيت جامدة في مكاني.
شدت لورا على يد أبي أكثر وقالت
نحن نحب بعضنا. وسنتزوج.
بدت الكلمات خاطئةسريعة أكثر من اللازم وكأنها محفوظة مسبقا. أذكر أنني أومأت برأسي رغم أنني لا أتذكر أنني اخترت ذلك. أما روبرت فلم يقل شيئا. اكتفى بالخروج.
في وقت لاحق من تلك الليلة اتصل بي.
قال
هذا ليس صحيحا. لا شيء فيه يبدو صحيحا.
أجبت دون تفكير
إنه الحزن. الناس يفعلون أشياء غريبة.
ولا أعلم من كنت أحاول طمأنته أم نفسي.
في الأسابيع التالية تحرك كل شيء بسرعة وبصمت. لا إعلانات عامة. لا احتفال. فقط أوراق ومواعيد وأحاديث هامسة ظنوا أننا لا نسمعها.
حاولت لورا التقرب مني عدة مرات
هل تودين مساعدتي في اختيار الزهور
ظننت أنك قد تحبين رؤية المكان.
كنت أرفض في كل مرة.
أنا بخير كنت أقول. افعلا ما تشاءان.
مرة واحدة أخذني أبي جانبا وقال
أنت موافقة على هذا أليس كذلك
ترددت ثم أومأت
إذا كنت سعيدا فهذا هو المهم.
ارتاحت ملامحه بشكل ملحوظ وكأنه نال تبرئة من أمر لم أكن أفهمه بعد.
وصلت دعوة الزفاف بعد ستة أسابيع. مراسم بسيطة. العائلة المقربة فقط. حدقت في البطاقة طويلا. لم يذكر اسم أمي في أي موضعلا إشارة ولا اعتراف بقصر المدة منذ رحيلها.
ومع ذلك حضرت.
أقنعت نفسي بأن هذا هو التصرف الناضج. المحب. تصرف الابنة الصالحة. وفي يوم الزفاف وسط الابتسامات والشمبانيا والموسيقى الهادئة كنت أكرر الكذبة نفسها في رأسي
هذا مجرد حزن. مجرد شخصين مكسورين يبحثان عن عزاء.
ثم وصل روبرت متأخرا وعيناه مضطربتان وستره نصف مرتد. أمسك بذراعي.
قال
كلير. نحتاج أن نتحدث. الآن.
وقبل أن أسأله عما يجري قال الكلمات التي حطمت كل شيء
أنت لا تعرفين من يكون أبونا حقا.
لم يتوقف حتى اقتربنا من الخارج. خف صوت الموسيقى خلفنا. ضحكات تتسرب من الأبواب المفتوحة. شخص ما قرع كأسا احتفالا. بدا المشهد مشوها.
همست بحدة
ما الذي يحدث لقد فاتك الحفل. تبدو وكأنك ركضت إلى هنا.
قال
كدت ألا آتي. قيل لي ألا أفعل.
قيل لك من
نظر روبرت نحو قاعة الاستقبال ثم خفض صوته
أمي.
حدقت فيه.
هذا ليس مضحكا.
قال بجدية
أنا أقسم.
تقول إن أمي أخبرتك بشيء بعد موتها
لا قال بسرعة. قبل ذلك.
وقفنا قرب صف من علاقات المعاطف شبه مخفيين خلف نباتات طويلة. مر الضيوف مبتسمين غير مدركين أن ساقي كادتا تخذلانني.
قال
اتصل بي محام هذا الصباح. كدت أتجاهل المكالمة ظننتها رسالة مزعجة.
وماذا بعد
كان يعرف اسم أمي. مرضها. اليوم الدقيق الذي توفيت فيه.
جف حلقي.
قال
قال إن أمي طلبت منه التواصل معي عندما يتزوج أبي مجددا وتحديدا عندما يتزوج لورا.
سرت قشعريرة في عمودي الفقري.
هذا لا يعقل. لماذا
قاطعني
لقد اكتشفت الأمر.
اكتشفت ماذا
لم يجب فورا. أخرج ظرفا سميكا بلون عاجي من داخل سترته.
قال
كتبت هذه الرسالة بعد أن عرفت أنها تحتضر. وطلبت منه الاحتفاظ بها حتى اللحظة المناسبة.
تعلقت عيناي بالظرف.
ما الذي فيه
قال
الحقيقة عن أبي.
ضحكت ضحكة مرتجفة
أبي بقي معها. اعتنى بها. كان موجودا كل يوم.
قال أخي بهدوء
هذا ما كانت تعتقده هي أيضا.
همست
اقرأها.
قال
لا أستطيع. ليس هنا. ليس الآن.
لماذا
لأنك إن عرفتها فلا عودة بعدها.
انفجرت ضحكة في الداخل. ناداني أحدهم
كلير! سيقطعون الكعكة!
لم أتحرك.
ماذا اكتشفت أمي سألت مرة أخرى.
فرك روبرت وجهه كمن يحاول إيقاظ نفسه.
قال
اكتشفت أن أبي كان يخدعها لسنواتليس في أمور صغيرة بل في حقيقته ذاتها.
قلت بانفعال
هذا كلام مبهم. توقف عن ذلك.
نظر إلي وقال
هل تذكرين كيف انتقلت لورا

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى