قصص قصيرة

من فتاة منسية إلى امرأة تُعلّم الجميع كيف يبدأ الغد

شيء منه
تربيت على أن قيمة المزرعة في المال والهيبة ولم أسمع عن المعنى. مؤخرا أريد لهذه الأرض أن تخدم أكثر.
كيف سألت.
تردد.
أتخيل هذا المخزن مختلفا. مقاعد. أناس. تعلما.
معرفة قالت هيلينا بلا تكلف.
نظر إليها كمن وجد مفتاحا.
نعم معرفة.
هناك بدأ القدر يدور حقا. فهيلينا التي ظنت أنها ولدت للطاعة تجرأت على التخيل. وحين يسمح المهان لنفسه أن يتخيل يهتز العالم قليلا.
في الفجر جاءت إلى المخزن بدفتر قديم. حركت الرزم فتحت النوافذ وكنست كأنها تنظف الماضي. رسمت في رأسها مقاعد وطاولة ولوحا. كانت تهمس وهي تعمل. حين وصل كايو وقف عند الباب.
ماذا تفعلين
أفسح مكانا لما رسمته وأخرجت دفترا بخططها القديمة. إن بدأنا صغيرا فلنبدأ جيدا.
شمر كايو وساعدها. لا سيدا وخادمة بل شخصين يدفعان حلما واحدا. جاءت الطاهية نايير بالطعام وقالت
إن كانت مدرسة فلتكن بطون شبعى أولا.
علقوا لوحة بيت الغد. اقشعرت هيلينا اسم بسيط كأنه كتب لها. في الليلة الأولى حضر قلة خجولون. كتبت أهلا بخط متعرج. علم كايو الحساب ليجنب الخداع. طلبت امرأة تعلم التوقيع بدل البصمة. قالت هيلينا
توقيعك لباس كريم للورقة.
صار المخزن مستودع أمل. وتعالت الهمسات المالك جن بالقبيحة. لم تجب هيلينا. لم تعد تنام على الأرض.
جاء التحول الأكبر حين عاد كايو بعربة مغطاة ورسالة. سلمها أولا قلادة بمفتاح.
مفتاح
المفاتيح تفتح الأبواب والباب المفتوح يغير المصير.
ثم كشف غطاء العربة بيانو قديم مرمم. وضعت يدها على فمها ولمست مفتاحا فامتلأ المكان صوتا. تذكرت طفولة قيل لها فيها إن الموسيقى ليست لها.
سخروا حين قلت إنني أريد التعلم.
إذا نختار الموسيقى اليوم ونختارك معها.
فتح الظرف أوراق تسجيل بيت الغد باسم هيلينا مديرة وشريكة بصوت مساو. تجمدت.
لماذا
لأن الفكرة كانت لي والروح لك. ولا أحد يعيش على فتات.
ارتعشت كان هذا رهبة الاتساع.
وفي اللحظة نفسها حضرت عائلتها إلى البوابة. قالت الأم بنبرة لم تخف ما فيها من دهشة ممزوجة بالمرارة
إذا صرت سيدة.
أجابت هيلينا بثبات لم تعرفه في نفسها من قبل
صرت أنا.
سألت الأخت بحسد لم تحسن تمويهه
ومن الذي دفع ثمن البيانو
تقدم كايو خطوة صوته هادئ وحاسم
ليس لها بل معها.
حاولت الأم أن تسدد الضربة الأخيرة كمن يمسك خيطا قديما ليشده قبل أن ينقطع
كنت دائما في الركن.
تنفست هيلينا بعمق لا لتتجمل بل لتقول الحقيقة كاملة
نعم قبلت ذلك الركن طويلا. واليوم فهمت أنكم بنيتموه داخلي. الباب هنا مفتوح للتعلم أما أنا فلا أعود إلى الوراء.
انصرفوا بلا كلام لا لأنهم طردوا بل لأن المكان لم يعد يتسع لنسخة قديمة من الحكاية.
في تلك الليلة حين هدأ الضوء ونامت الحقول قال كايو بصوت لم يطلب تصفيقا
لا أجيد الوعود المزخرفة. أعدك بسقف واحترام وخبز ووقت تصان فيه الكلمة. لا أريدك عاملة معي بل شريكة طريق. إن كان هذا زواجا فهو ما أطلبه.
بكت هيلينا بلا خجل ولا دفاع
أقبل لكن ندا لند.
ولا أريدك ظلا قالها كأنه يقطع عهدا مع نفسه.
تزوجا ببساطة تشبه الحقيقة. جلست هيلينا إلى البيانو في مساء دافئ وكانت النغمات متعثرة لكنها صادقة موسيقى ممكنة وذلك كان المعجزة الأولى.
ثم جاءت العاصفة. ليل كثيف رعد يوقظ الخشب وريح تجرب صلابة بيت الغد. ركض الناس واشتعل القلق وكاد المخزن يبدو هشا كقلب تعافى للتو. وحين انقشع الخطر ظهرت الأم مبللة مذعورة بلا أقنعة
جئت لأرى إن كنت بخير خفت عليك.
أمسكت هيلينا الطباشير وكتبت على اللوح كلمة واحدة غفران. شرحتها ببطء لا كموعظة بل كطريق. قالت الأم بصوت منكسر
لا أعرف كتابتها هل تعلمينني
أمسكت هيلينا يدها وكتبت معها حرفا حرفا. خرجت الكلمة معوجة لكنها خرجت. وفهم الجميع أن بيت الغد ليس مدرسة حروف فحسب بل مدرسة وجود.
مع الوقت خفت الهمسات فحين تصير الحياة دليلا تصمت الألسنة. تعلم الناس القراءة والتوقيع والحساب وتعلموا أيضا أن يقفوا مستقيمين. كانت امرأة توقع اسمها لأول مرة فتضحك ورجل يقرأ عقدا فلا يخدع وفتى يرفع رأسه لأنه صار يجيد السؤال. وكل سبت كانت هيلينا تعزف مقطوعتين بسيطتين وكايو يصف المقاعد كأن أعظم ثروة هي أن ترى الوجوه تزهر.
لم تتغير هيلينا فجأة كانت تعرف أن الشفاء مسار. بعض الليالي كانت تستيقظ على خوف قديم فتخرج إلى الشرفة تلمس الخشب وتعد الأنفاس. كان كايو يجلس بقربها دون أسئلة لأن الحضور أحيانا أبلغ من الكلام. وفي الصباح كانت تعود إلى اللوح تكتب درسا جديدا وتكتشف أنها تكتب نفسها من جديد.
كبر بيت الغد. صار له سقف أصلب ومكتبة صغيرة ودفاتر لا تقاس بالعدد بل بالجرأة. جاء أطفال من القرى المجاورة ثم آباؤهم. صار المخزن ملتقى تروى فيه القصص كما تحل المسائل. وحين حاولت بعض الأصوات أن تعود إلى الغمز واللمز واجهها الواقع أرقام أوضح وجوه أهدأ وكرامة تمارس بلا ضجيج.
وذات مساء وقفت هيلينا أمام الصف وقالت
المعرفة لا ترفعنا فوق بعضنا بل تعيدنا إلى مستوى واحد مستوى الإنسان.
فهموا. لأنهم عاشوا.
وحين سئلت بعد سنوات كيف بدأ كل شيء لم تحب الزخرفة
بدأ حين أرسلت فائضا وهنا اكتشفت أنني بذرة.
وأضافت بابتسامة تعرف وزنها
والبذور لا تشبه ما يقال عنها بل ما تصير إليه.
وهكذا على طريق فيلا براڤورا ما زال من يقسم أنه حين يهدأ الريح ويصفو الليل يسمع من مخزن مضيء صوت بيانو قديم وضحكات رجال ونساء خرجوا من درس وهم يحملون الغد في صدورهمغدا لا يستعار بل يبنى.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى