قصص قصيرة

كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي

المعتاد.
أخف كأن بداخله فراغا.
قلت بسخرية
أوه خفيف اليوم. ماذا حدث هل نفد المال حتى للأرز
وللمرة الأولى حاول توماس أن يستعيد الكيس.
اقترب خطوة ومد يده وقال بصوت مكسور
أرجوك يا سيباستيان ليس اليوم.
تلك الكلمات بدل أن توقظ ضميري أيقظت وحشا داخلي.
شعرت بالقوة.
شعرت بأنني أتحكم بمصير شخص آخر.
فتحت الكيس أمام الجميع وقلبته.
لم يسقط طعام.
سقطت قطعة خبز قاسېة وورقة صغيرة مطوية.
ضحكت أولا.
لكن ضحكتي خرجت فارغة.
قرأت الرسالة بصوت عال ساخرا في البداية ثم خاڤت صوتي دون أن أشعر
وحين انتهيت لم يضحك أحد.
كان الصمت أثقل من أي ضحك.
رأيت توماس يبكي لا بصوت بل بخجل.
ورأيت الخبز على الأرض.
وفهمت.
ذلك الخبز لم يكن فقرا.
كان تضحية.
كان أما تجوع ليأكل ابنها.
وفي تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي لن يعود كما كان.
فكرت في حقيبة طعامي الفاخرة وفي أمي التي لم تسألني منذ أيام عن يومي
وفي نفسي التي كانت ممتلئة بكل شيء إلا المعنى.
اقتربت من توماس وركعت أمامه وسط ذهول الجميع.
التقطت الخبز كأنني ألتقط ذنبا ومسحته وأعدته إليه مع الرسالة.
ثم أعطيته طعامي.
وجلست بجانبه.
ذلك اليوم لم آكل.
ذلك اليوم بدأت أفهم.
ومن هنا بدأت القصة الحقيقية.
جلست إلى جوار توماس ذلك اليوم ولم أعرف ماذا أفعل بيدي.
كانتا معتادتين على الأخذ لا على العطاء.
على الإمساك لا على التردد.
لم ينظر إلي في البداية.
ظل يحدق في الخبز والورقة كأنه يخشى أن يكون ما حدث حلما سينكسر إذا رفع رأسه.
قلت له بهدوء لم أعرفه من قبل
كل الطعام طعامك الآن.
لم يقل شكرا.
لم يقل شيئا أصلا.
لكن كتفيه ارتختا قليلا وكأن ثقلا هائلا انزاح عنهما.
ذلك الصمت كان أول درس حقيقي أتلقاه في حياتي.
بعد ذلك اليوم تغير كل شيء ببطء وبصعوبة وبدون معجزات.
لم أصبح فجأة محبوبا.
ولم يتحول الماضي إلى صفحة بيضاء.
الضحكات التي كنت أعيش عليها صارت تخنقني.
نظرات الخۏف في عيون الآخرين بدأت تطاردني حتى في أحلامي.
وكل مرة حاولت أن أضحك أو أسخر كان وجه أم توماس ينهض أمامي
وتلك الجملة البسيطة تتردد في رأسي
لم أتناول الفطور هذا الصباح كي تأكل أنت.
بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل.
لاحظت أن توماس يكتب واجباته بعناية مبالغ فيها لا لأنه مجتهد بطبعه بل لأنه ېخاف أن يخيب أمل أحد.
لاحظت أنه يعتذر كثيرا حتى حين لا يخطئ.
وكأن الفقر علمه أن يعتذر عن وجوده.
وذات مرة سألته
لماذا تدرس كل هذا
نظر إلي باستغراب ثم قال ببساطة
لأن أمي تتعب كثيرا ولا أريد أن أكون سببا آخر لتعبها.
في تلك اللحظة شعرت بصغر نفسي كما لم أشعر من قبل.
مرت أيام ثم أسابيع.
بدأت أترك له جزءا من طعامي كل يوم دون استعراض.
لا أمام الناس ولا طلبا للغفران.
فقط لأن ذلك صار طبيعيا.
وفي أحد أيام الجمعة جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني زيارة أمه.
تردد قليلا ثم وافق.
ذهبنا معا بعد المدرسة إلى حي لم تطأه قدماي من قبل.
شوارع ضيقة بيوت متقاربة
وروائح

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى