قصص قصيرة

نام بعيدًا عنها ثلاث سنوات… والحقيقة خلف باب غرفة أمه قلبت كل شيء

من الشك والوحدة والانتظار ومن ليال طويلة تساءلت فيها إن كانت ما تزال زوجة أم مجرد ظل في بيتها.
قالت وهي تنتحب ووجهها ملتصق بجانبه وصوتها يتكسر بين الكلمات
سامحني سامحني يا ماركو. أسأت الظن بك كنت قاسية لم أفهم وأنت كنت تتحمل كل هذا وحدك.
ارتجف جسد ماركو عند سماعها.
لم يكن مستعدا لهذا الانهيار ولا لهذا الصدق العاري. طوال السنوات الماضية كان قد اعتاد أن يكون القوي الصامت الذي يبتلع تعبه ويخفي ألمه خلف روتين صارم. لكن الآن ومع هذا العناق شعر بأن الجدار الذي بناه حول نفسه بدأ يتصدع.
وضع يده على شعرها بتردد كما لو أنه يخشى أن يفسد اللحظة رجل سمح لنفسه أخيرا بأن يتوقف عن التماسك وأن يعترف ولو دون كلام بأنه لم يعد قادرا على حمل كل شيء وحده.
رفعت آنا رأسها ببطء. كانت عيناها محمرتين ودموعها لم تجف بعد. مسحت خديها بطرف كفها ثم استدارت بنظرها نحو حماتها. كانت دونيا كوراثون تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالخجل والحزن نظرة امرأة أدركت فجأة أن سرها الثقيل قد انكشف وأن ضعفها لم يعد مخفيا.
بدت في تلك اللحظة أصغر مما كانت عليه في أي وقت مضى.
ليست أما متسلطة ولا عبئا ثقيلا بل امرأة مريضة خائفة أنهكها الليل وأفقدها السيطرة على ذاتها.
قالت آنا بصوت هادئ لكنه ثابت خال من اللوم
أمي لماذا لم تخبراني أنت مصابة بالخرف ومتلازمة الغروب أليس كذلك تلك الحالة التي تشتد أعراضها ليلا.
أطرقت العجوز رأسها. ارتعشت شفتاها قبل أن تنطق وكأن الكلمات نفسها تؤلمها
لم نرد أن نثقل عليك يا ابنتي. نعلم كم تعملين وكم تتعبين. لم أرد أن أكون عبئا على زواجكما ولا سببا في شقائكما.
كان في صوتها انكسار أم تخشى أن تكون سببا في خسارة ابنها سعادته.
اقتربت آنا أكثر وجلست إلى جوار السرير وأمسكت يد حماتها برفق. كانت يدا دافئة مرتجفة يد إنسان يحتاج إلى الطمأنينة أكثر مما يحتاج إلى الشفقة. قالت بحزم لا يخلو من حنان
لست عبئا. ولن تكوني كذلك أبدا. أنت أمه وأنت الآن جزء من حياتي أيضا.
نهضت بهدوء وكأنها اتخذت قرارا داخليا لا رجعة فيه. لم يكن قرارا لحظيا بل قناعة ولدت من رؤية الحقيقة كاملة دون أقنعة. ذهبت إلى الحمام وأحضرت ماء دافئا ومنشفة نظيفة ثم عادت بخطوات ثابتة.
جلست قرب ماركو وبدأت تمسح ذراعيه المتقرحتين. كانت تمرر القماش بلطف شديد فوق الجروح والكدمات لا كمن يداوي جسدا فقط بل كمن يربت على تعب قديم. شعرت وكأنها تعتذر عن كل ليلة نام فيها وحده عن كل شك سمحت له أن يسكن قلبها وعن كل كلمة لم تقل في وقتها.
ثم التفتت إلى حماتها ومسحت وجهها بعناية دون تبرم أو اشمئزاز فقط بتركيز واهتمام صادق كما لو أنها تقول لها بالفعل قبل القول أنت لست وحدك.
قالت وهي تفعل ذلك دون أن ترفع رأسها
ماركو ثلاث سنوات وأنت تحمل هذا وحدك. ثلاث سنوات من السهر والخوف والألم وأنت لم تقل شيئا. من اليوم لن تكون وحدك. أنا زوجتك في السراء والضراء. وهذا يشمل العناية بأمك مهما كان الثمن.
رفع ماركو عينيه إليها. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع دموع رجل لم يسمح لنفسه بالبكاء منذ زمن طويل. لم يستطع منعها من الانهمار. من وجد أخيرا من يشاركه الحمل من وجد سندا لا يهرب حين تصبح الأمور صعبة.
ولأول مرة منذ سنوات شعر بالراحة.
شعر بأن الحمل الذي سحق كتفيه بدأ يخف وبأن الليل لم يعد معركة يخوضها وحده وبأن البيت الذي عاش فيه لم يعد ساحة صمت وأسرار بل مساحة صدق ومشاركة.
منذ تلك الليلة لم يعد مرض دونيا كوراثون سرا يدار خلف الأبواب المغلقة. لم يعد عبئا يخفى ولا عارا يتجنب الحديث عنه. صار أمرا يواجه معا بوضوح وشجاعة.
تقاسموا السهر وتناوبوا الرعاية وبحثوا عن مساعدة طبية متخصصة دون خجل أو خوف. تعلموا كيف ينظمون أيامهم ولياليهم وكيف يحمون بعضهم بعضا من الإنهاك.
وتعلمت آنا درسا لم تكن تتوقع أن تتعلمه بهذه الطريقة
أن الحب لا يقاس بعدد الليالي الهادئة ولا بالكلمات الجميلة وحدها بل بالقدرة على البقاء حين يصبح كل شيء ثقيلا وبالاستعداد لمشاركة الألم كما تشارك الفرح دون حساب أو شروط.
اختفت الغيرة من قلبها.
وتبددت الشكوك.
وبقي الاحترام
واحترام أعمق لرجل اختار أن يضحي بنومه وراحته وأن يتحمل الألم بصمت فقط ليحمي المرأتين اللتين يحبهما لا لأن أحدا طلب منه ذلك بل لأن قلبه اختار أن يفعل.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى