
صدمه العمر حكايات اسما
تبادلت الممرضات نظرات سريعة لم يكن هذا غريبًا فالدكتور ياسين معروف بحسمه لكن ما لم يعرفنه هو أن القرار لم يكن طبيًا فقط بل كان صراعًا داخليًا لم يبدُ على وجهه
بينما كانوا ينقلون سلمى إلى غرفة العمليات همست بصوت مكسور يكاد لا يسمع ياسين أنا ما كنتش ناوية تقولك أنا خفت
لم يرد لم يلتفت لم يسمح للكلمات أن تخترق الجدار الذي بناه حول قلبه منذ سنوات لكنه في داخله شعر بشيء يتشقق تشقق خفيف لكنه مؤلم
في غرفة العمليات ارتدى ملابسه المعقمة وقف خلف الستار الأخضر وحدق في الجسد الذي كان يعرفه يومًا زوجة وشريكة حياة قبل أن يصبح حالة طبية تحمل رقمًا وملفًا
بدأت العملية وكان الصمت يسيطر على المكان إلا من صوت الأجهزة ونبض القلب المتسارع على الشاشة وكل دقيقة تمر كانت تحمل خطرًا حقيقيًا على الأم والجنين
وفجأة ظهرت المضاعفات التي حذرت منها التقارير تراجع حاد في المؤشرات نزيف غير متوقع وضع معقد
قالت مريم بقلق دكتور الوضع بيسوء
هنا فقط تغير وجه ياسين لم يعد ذلك الطبيب المتعالي البارد بل رجل يواجه نتيجة قراراته القديمة رأى أمامه ليس مجرد مريضة بل امرأة طلقها لأنه لم يشأ أن يتحمل مسؤولية أب وها هو الآن يقف حرفيًا بين الحياة والمــ,,ـــــوت لطفل لم يعترف بوجوده
قال بصوت حاسم لكن مبحوح حضروا كل ما يلزم مش هنفقدهم
عمل بكل ما لديه من خبرة وتركيز لم يترك تفصيلة لم يستهين بلحظة لم يسمح للغرور أن يقوده كان كأنه يعوض عن تسعة أشهر من الهروب في ساعات قليلة من المواجهة
مرت دقائق ثقيلة كأن الزمن توقف ثم سمع الجميع الصوت الذي انتظروه صرخة طفل ضعيفة لكنها واضحة
تجمد ياسين في مكانه للحظة لم يتحرك لم يتنفس فقط نظر إلى ذلك الكائن الصغير الذي خرج إلى الحياة بصعوبة نتيجة قرارات رجل لم يكن مستعدًا يومًا لأن يكون أبًا
قالت مريم بابتسامة مترددة مبروك دكتور الطفل بخير
لكن عيني ياسين لم تكن تبتسم كان فيهما شيء يشبه الصدمة والندم والفهم المتأخر
بعد انتهاء العملية خرج من غرفة العمليات ببطء ووقف في الممر وحده أسند ظهره إلى الحائط وأغلق عينيه لأول مرة منذ سنوات شعر بثقل اسمه الحقيقي ليس كطبيب مشهور بل كأب
بعد ساعات أفاقت سلمى فتحت عينيها ورأته واقفًا عند طرف الغرفة بلا معطف بلا قناع بلا تلك الهالة الباردة التي اعتادت رؤيتها
قال بصوت منخفض يكاد يكون اعترافًا سامحيني
نظرت إليه طويلًا ثم أغمضت عينيها وقالت أنا ما كنتش عايزة حاجة غير إن ابني يعيش
اقترب خطوة وقال وأنا كمان
في تلك اللحظة فقط فهم ياسين أن كل ما بناه من شهرة ومال وسلطة لم يكن شيئًا أمام تلك الحقيقة البسيطة أن الإنسان لا يختار دائمًا اللحظة التي يواجه فيها نفسه لكنه حين يفعل لا يخرج كما دخل
وخارج الغرفة كانت الممرضة مريم تنظر من بعيد وتدرك أن هذه الليلة لن تُكتب في سجل العمليات فقط بل في حياة رجل اعتقد يومًا أنه فوق الجميع فاكتشف أنه كان أضعفهم جميعًا
تمت صلي على محمد وال محمد





