
جوزي صمم أعمل عيد ميلاده وأنا دراعي مكسور.. بس أنا علمته درس عمره ما هينساه!
وقبل ما يلحق يستوعب، مديرة شركة النضافة قربت ورفعت ورقة وقالت بصوت مسموع:
“ودي فاتورة التنظيف العميق للبيت بالكامل.. الحساب مدفوع مقدماً. المدام هي اللي دفعت كل مليم من حسابها الخاص.”
وبعدها الشيف رفعت ملف تاني وقالت بصوت عالي وواضح:
“وده إيصال تكاليف البوفيه والخدمة.. زوجتك غطت التكلفة بالكامل، لأنها كانت ‘عاجزة طبياً’ عن الطبخ بسبب الكــ,,ـــــسر اللي في دراعها.”
جملة “عاجزة طبياً” رنت في المكان كله زي الجرس.
الكل بدأ يبص لبعضه بذهول.. نظراتهم بتتحول من “أحمد” ليا، ومني لـ “أحمد”.
حماتي “سعاد” وشها جاب ألوان وبقت زي اللي اتكب عليها مية ساقعة.
“أحمد” هجم ناحيتي وهو بيلوح بالورق وبيزعق:
“أنتي إزاي تعملي كده؟! مش النهاردة! مش في عيد ميلادي!”
وقفت ببطء وبصيت له بثبات وقولت:
“دي كانت الطريقة الوحيدة اللي ممكن تسمعني بيها.”
صرخ فيا وقال: “أنتي بتفضحيني قدام الناس! كنا ممكن نتكلم ونتفاهم بينا وبين بعض!”
ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرح وقولتله:
“حاولت.. ياما حاولت أتكلم معاك عن شغل البيت اللي شيلاه لوحدي. عن إني شايلة مسؤولية كل حاجة وأنت ولا هنا. ولما كنت بشتكي كنت بتقلب عينك وتقولي أنتي درامية وكسولة.”
رفعت دراعي المتجبس قدام عينه وكملت:
“أنا اتحايلت عليك تنظف المدخل من الطين والمية. وأنت طنشت. والنتيجة إني وقعت وكــ,,ـــــسرت دراعي. ولما رجعت من المستشفى، بدل ما تطمن عليا، قولتلي دي ‘وظيفتك’ وكنت قلقان بس على شكلك قدام الناس.”
بصيت للمعازيم وقولت بصوت عالي:
“عشان الأمور تكون واضحة للكل.. أنا مبوظتش عيد ميلادك يا أحمد.. أنت اللي بوظته.”
واحد من زمايله في الشغل كان بيبص له بقرف كأنه أول مرة يشوفه على حقيقته.
لفيت وشي لحماتي “سعاد” وقولت لها:
“وأنتي يا طنط.. أنتي اللي قولتيلي لازم أطبخ حتى وأنا دراعي مكسور. وقولتيلي إن الرجالة ‘عينيها بتزوغ’ لو الست قصرت. لو ده مفهومك عن الجواز، اشبعي بيه.. ابنك عندك أهو، خليه ينفعك.”
بقها اتفتح عشان ترد بس الكلام وقف في حلقها.
مشيت في الطرقة ودخلت أوضة النوم. شنطتي كانت جاهزة، كنت مجهزاها وهو بياخد دش قبل الحفلة.
خرجت وأنا معلقة الشنطة على كتفي الشمال السليم.
“أحمد” وقف مكانه مصدوم وقال: “أنتي رايحة فين؟”
رديت ببرود: “أنا ماشية. هقعد عند واحدة صاحبتي، والمحامية بتاعتي هتتواصل معاك.”
قال بتوتر: “أنتي مش هينفع تمشي كده.. إحنا عندنا ضيوف!”
صححت له المعلومة: “لأ.. أنت اللي عندك حصري على موقع ثقف نفسك ضيوف. أنا دفعت تمن الأكل ونضافة البيت اللي بتتباهى بيها. استمتع بقى.”
أبوه حاول يتدخل وقال كلام مش مفهوم عن “إن البيوت أسرار ولازم نهدى”، بس أنا هزيت راسي وقولتله:
“أنت ربيت راجل بيتعامل مع مراته كأنها شغالة عنده.. أنا خلصت خلاص.”
اتجهت ناحية الباب، و”أحمد” بيجري ورايا وصوته بدأ يتهز:
“متعمليش كده.. إحنا ممكن نصلح كل حاجة. والله هساعدك أكتر. هنظف المدخل المرة الجاية، بس.. بس مش بالطريقة دي!”
ملفتش وشي له، بس وقفت لحظة عند الباب وبصيت لورا وقولتله آخر جملة:
“أنت قولت إن دراعي المكسور كان ‘توقيت سيء’ عشان عيد ميلادك.. اديني اخترتلك التوقيت بتاعي.”
فتحت الباب وخرجت.
صاحبتي “دينا” كانت راكنة بعربيتها على الناصية ومستنية. كنت متفقة معاها: “أول ما تشوفي التلاتة الغرباء دخلوا البيت، استني 10 دقايق وتعالي قدام الباب”.
أول ما شافتني بالجبس والشنطة، نزلت بسرعة وفتحت لي الباب.
سألتني بصوت واطي: “أنتي جاهزة؟”
رديت: “لأ.. بس همشي برضه.”
ساعدتني أركب ومشيت بينا بالعربية.
موبايلي كان عمال يزن.. اتصالات ورسايل من “أحمد”، ومن أمه، ومن أرقام غريبة.
رحت قفلاه خالص.
لما وصلنا بيت “دينا”، قعدتني على الكنبة، وسندت دراعي على مخدة وجابتلي مية.
قالت لي بحنان: “خليكي هنا زي ما تحبي. هنحل كل حاجة.. خطوة خطوة.”
دراعي كان بينقح عليا من الوجع. وقلبي كان واجعني أكتر. قعدت أعيط على العمر اللي ضيعته معاه.
بس تحت العياط ده، كان فيه شعور غريب بالراحة.
حفلة عيد الميلاد دي كانت آخر حفلة أنظمها له في حياتي.
وده كان أول يوم في بقية حياتي أنا.





