قصص قصيرة

قالوا إنها ماتت وانتهى الأمر… لكن صبيًّا مشرّدًا رأى ما لم يره الأطباء

عوى ريح الشتاء عبر شوارع شيكاغو تشق ظلمة الليل كأنها نصل حاد. وعلى رصيف خافت الإضاءة كان صبي في الرابعة عشرة من عمره يدعى مالك جونسون يرتجف داخل معطف ممزق أصغر من مقاسه بدرجتين. لم تبد له الحياة كثير رحمة. فقد توفي والداه حين كان في الثانية عشرة ومنذ ذلك الحين وهو ينجو بالبحث في المهملات وبأعمال متفرقة وبإصرار عنيد على البقاء.
في تلك الليلة لم يكن قد أكل منذ يومين. كان الجوع يعتصر معدته لكن ما استوقفه لم يكن طعاما بل ذلك الوهج الدافئ المنبعث من قصر فخم في الجهة المقابلة من الشارع. خلف نوافذ زجاجية شاهقة كانت تقام جنازة خاصة.
في الداخل وقف صامويل ويتاكر الملياردير ومؤسس تكتل تقني نافذ جامدا إلى جوار نعش مصقول من خشب الماهوغني. بداخله ترقد ابنته الوحيدة كلارا التي لم تتجاوز الثانية والعشرين. قيل إنها توفيت قبل ثلاثة أيام في حادث سير مروع. كان تقرير الطب الشرعي واضحا والشرطة متيقنة وسجلات الأسنان أكدت الهوية.
بالنسبة إلى صامويل كان العالم قد توقف عن الحركة.
لكن في الخارج في البرد القارس كان عالم مالك على وشك أن يصطدم بعالمه على نحو لم يتخيله أحد.
وبينما كان صوت القس الوقور يملأ القاعة انفتحت الأبواب الثقيلة بعنف.
اندفع صبي حافي القدمين إلى الداخل يتصاعد بخارأنفاسه في الهواء المتجمد.
صرخ توقفوا! لا تغلقوا النعش! إنها ما تزال حية!
تعالت شهقات الذهول في القاعة. تراجع الحضور وتحرك الحرس سريعالكن صامويل وقد فاجأه نداء الصبي اليائس رفع يده.
تعلقت عينا مالك الواسعتان بعينيه. قال برجاء ملح سيدي أرجوك! أنا أعمل جزئيا في مشرحة المدينة. رأيت ابنتك الليلة الماضيةكانت تتنفس! لا يمكنكم دفنها بعد!
ساد صمت مطبق. تسارع نبض الملياردير. كان صوت الصبي يرتجف لكن يقينه لا يتزعزع.
قال صامويل بهدوء دعوه يتكلم.
شرح مالك أنه كان يساعد في التنظيف والترتيب داخل المشرحة مقابل أجر زهيد. وخلال تعامله مع ضحايا الحادث لاحظ كلارانبضها خافت وصدرها يرتفع بالكاد. أخبر الموظفين لكن أحدا لم يصدق طفل شارع.
قال بإلحاح كانت يداها منقبضتين. وكان كتفها محترقا ونبضهاكان ضعيفا لكنه موجود!
في ذاكرة صامويل انقدح شيء فجأة. كانت لكلارا ندبة صغيرة على شكل هلال في كتفها الأيسرعلامة لا يعرفها سواه.
ومن دون تردد التفت إلى مدير الجنازة.
قال بحزم افتحوا النعش. الآن.
احتج الرجل لكن صوت صامويل دوى في القاعة افتحوه!
أصدر الغطاء صريرا وهو يرفع. خيم صمت ثقيل على المعزين.
ثمشهق أحدهم.
تحرك صدر كلارا. حركة خافتة لكنها لا تنكر.
اندفع المسعفون إلى الأمام. هوى صامويل على ركبتيه وأمسك بيد ابنته الباردة.
همس والدموع تنهمر على وجهه كلارا ابقي معي يا حبيبتي.
وقف مالك متجمدا قلبه يخفق بعنف. وصف بالجنون والكذب والإزعاجلكنه الآن أنقذ حياة.
بعد ساعات في مستشفى سانت أغنس أكد الأطباء ما لا يصدق كانت كلارا في صدمة أيضية عميقة. كان نبض قلبها قد تباطأ إلى حد يكاد يحاكي الموت. لو دفنت لما استفاقت أبدا.
وعندما فتحت عينيها أخيرا شاحبة لكنها تتنفس انكسر صوت صامويل.
قالت همسا أبي
أجاب وهو يرتجف امتنانا أنت بأمان يا حبيبتي. أنت بأمان الآن.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. سماه الصحفيون معجزة. لكن حين بحثوا عن الصبي الغامض الذي أنقذ كلارا ويتاكر لم يجدوا أحداكان قد عاد بهدوء إلى مكانه تحت الجسر.
وعندما عثروا عليه أخيرا رفض الفضل.
قال بهدوء رأيت فقط شخصا يحتاج إلى المساعدة.
في صباح اليوم التالي توقفت سيارة ليموزين سوداء عند الجسر. ترجل صامويل وفي يده معطف وحقيبة ظهر ووعد.
قال مالك لقد أنقذت حياة ابنتي. دعني أساعدك على بناء حياتك.
تردد مالك طويلا قبل أن يجيب. لم يكن التردد نابعا من خوف من الرفض بل من خوف أعمق الخوف من الأمل حين يأتي متأخرا والخوف من اليد الممدودة حين تكون قد تعودت النجاة وحدك.
خفض رأسه قليلا كأن الكلمات أثقل من أن تقال واقفا وقال بصوت منخفض كمن يعترف بشيء شخصي للغاية 
لا أريد صدقة أريد فقط فرصة.
لم تكن جملة عابرة. كانت خلاصة سنوات من البرد والجوع والنوم المتقطع والخسارات الصغيرة التي لا يراها أحد. فرصة واحدة فقط ليعامل كإنسان لا كعبء ولا كحالة ولا كرقم في ملف اجتماعي.
نظر صامويل ويتاكر إليه طويلا. لم يكن ينظر إلى صبي شارع ولا إلى عامل مشرحة مؤقت بل إلى الشخص الذي أعاد ابنته من حافة القبر. قال بهدوء لم يخل من حزم صادق 
لقد كسبتها بالفعل.
لم تكن الجملة وعدا فارغا ولم تكن تعويضا عاطفيا. كانت قرارا.
في تلك اللحظة لم يفهم مالك تماما ما تعنيه هذه الكلمات. لم يكن معتادا على العواقب الإيجابية ولا على الالتزامات طويلة الأمد. تعلم منذ صغره أن كل شيء مؤقت النوم الطعام الأمان وحتى البشر.
لكن الأسابيع التالية بدأت تعيد تعريف العالم أمامه ببطء حذر وكأن الحياة نفسها تخشى أن تفزعه إن تحركت بسرعة.
خلال أقل من شهر كان مالك قد التحق ببرنامج خاص للشباب تديره مؤسسة ويتاكر. لم يكن البرنامج استعراضيا أو دعائيا بل صارما منظما ومبنيا على فكرة واحدة إعادة بناء الإنسان من الداخل لا تجميل صورته من الخارج.
حصل على غرفة صغيرة في سكن جماعي نظيف. سرير حقيقي بطانية ثقيلة نافذة تغلق بإحكام. في الليلة الأولى لم يستطع النوم. ظل مستيقظا ساعات طويلة يحدق

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى