
قالوا “اتّسخت قليلًا”… لكن اللي شفته على بنتي خلّى المدرسة كلها تهتز!
سلطة بل ستار. تلفت حوله فرأى زملاءه يراقبون المشهد دون أن يتحركوا خطوة واحدة. لا لأنهم جبناء بل لأنهم أدركوا أن أي حركة خاطئة قد تتحول إلى دليل جديد ضد المدرسة. وبينما كان يضع الجهاز على أذنه كان يسمع داخل السماعة همسات متقطعة من الإدارة لا تسمح لهم بالاقتراب انتظر حاول تهدئة الوضع لا مشكلة كبيرة كلمات تتقاذفها الارتباكات ككرة في ممر طويل.
قال يونس مرة أخرى هذه المرة ببطء مقصود نريد فقط أن نرى أنها بخير. ونريد أن نعرف من قرر أن ما حدث لها مجرد اتساخ بسيط. لم يكن صوته حادا لكنه كان واضحا كحد السكين. بعض الكلمات لا تحتاج للصراخ كي تجرح. يكفي أن تقال أمام الجميع.
في تلك اللحظة خرج موظف من الإدارة ببدلة رمادية وتوتر واضح. وقف عند البوابة وكأنها خط دفاع أخير ثم حاول أن يبتسم ابتسامة اجتماعية تليق بحفل استقبال لا بحقيقة جارحة. قال صباح الخير نحن نفهم قلقكم لكن المدرسة تتعامل مع الموضوع داخليا ولم يكمل جملته حتى ارتفع صوت امرأة من الخلف لا تصرخ لكنها تقطع داخليا يعني إخفاء. داخليا يعني إغلاق باب. نحن جئنا لأن الداخل لم يكن آمنا.
وتقدم شاب يحمل ملفا بنيا. لم يرفعه كتهديد بل وضعه على كفيه كما يوضع شيء ثقيل أمام ميزان العدالة. قال بهدوء هذه شهادات. وهذه صور. وهذه رسائل. وهذه أسماء. ارتجف الموظف للحظة ليس خوفا من الورق نفسه بل من فكرة أن الورق قد يتحول إلى خبر وأن الخبر قد يتحول إلى فضيحة وأن الفضائح لا تغلق بعبارة الالتزام بالهدوء.
في الداخل كانت الإدارة تحاول أن تلتقط الحدث بحبال إدارية قصيرة. جملة واحدة تكررت في الممرات التزموا الهدوء. وكأن الهدوء حل لمشكلة بدأت حين طلب من طفلة أن لا تزعج بقية الطلاب. ومع كل تكرار للجملة كانت مريم تشعرحتى وهي بعيدة عن الممراتأن الهدوء المقصود ليس هدوء القلب بل هدوء السمعة. هدوء الصورة التي تعلق على موقع المدرسة لا هدوء الطفلة التي جلست على كرسي لا يريح ولا يؤلم يتركك في منتصف المسافة بين إنسان يراعى وشخص يدار.
كانت المرشدة النفسية تحاول أن تبدو ثابتة. سألتها إن كانت بخير ثم ضغطت بيدها على أوراقها كأنها تخشى أن تطير الحقيقة من بين أصابعها. نظرت مريم إليها لحظة طويلة ثم قالت بهدوء يخون ارتجافة صغيرة في أطراف الصوت أنا خفت بس مش من اللي صار خفت لأن حسيت إنكم مش رح تصدقوني. ثم أضافت كمن يضع إصبعا على جرح مكشوف ولما حكيت حسيت إنكم زعلتوا مني مش عليهم. لم تكن الجملة مجرد شكوى. كانت تلخيصا لسنوات من الإيحاءات الصغيرة أنت ضيفة. أنت استثناء. أنت عبء لطيف نتحمله لأننا طيبون.
حاولت المرشدة أن ترد بجملة جاهزة لكنها سكتت. لأن هناك لحظات تفشل فيها الجمل وتنجح فيها الحقيقة وحدها. وفي زاوية الغرفة كانت هناك علبة مناديل لم تلمسها مريم. ليس لأنها لا تريد البكاء بل لأنها كانت تعرف أن دموعها في هذا المكان قد تستخدم ضدها منفعلة حساسة تبالغ. كانت تتعلم درسا قاسيا دون أن يقصده أحد أن الألم في الأماكن الراقية يجب أن يكون مهذبا وإلا طرد.
حين سمح أخيرا بدخول ممثلين إلى الساحة تحت ضغط الكاميرات والمحامين الذين وصلوا في الوقت المناسب دخل يونس وحده. لم يدخل خلفه جيش ولم يصنع ممرا بطوليا. دخل كما يدخل شخص جاء ليقول كفى. رأى مريم ولم يتقدم إليها من فوق كما يفعل الكبار عادة بل جثا أمامها كأنه يريد أن يساوي المسافة كي لا تخاف من حجم الموقف. أخرج دبوسا صغيرا على شكل درع يتوسطه حجر أزرق ومده لها. قال هذا مش سحر بس تذكير. عشان تتذكري إن حقك مش هدية من حد. مدت مريم يدها بتردد وشيء في عينيها لان ثم تغير ليس إلى فرح سريع بل إلى شعور أعمق أن هناك من يرى أنها تستحق أن يوقف العالم لأجلها.
لم يطلب منها أن تتكلم. لم يقل قولي لنا ماذا حصل. كان يعرف أن الضغط على طفل ليعيد رواية ما يؤلمه أمام عيون كثيرة نوع آخر من الإيذاء. اكتفى أن يسألها سؤالا واحدا فقط بصوت خفيض بدك ترجعي بيتك هزت رأسها بنعم بسرعة وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ ساعات. هنا فقط ارتخت كتفاها قليلا كأن جسمها كان يحمل ثقلا أكبر من عمرها.
طلبت التفسيرات. طلبت الشرطة. ارتفعت الهواتف. لكن ما حدث كان ضبط نفس. لم يتحول المشهد إلى شجار ولم يتسرب إلى الفوضى التي تتمنى الإدارات حدوثها لتقول بعدها انظروا هم المشكلة. بالعكس صارت الحقيقة مرتبة على طاولة صغيرة داخل المدرسة كأنها ملف ينتظر منذ زمن أن يفتح. كان ترتيب الأدلة في حد ذاته رسالة نحن لا نبحث عن فوضى. نحن نبحث عن محاسبة.
وضعت الأدلة رسائل تخطيط مسبق لا نكات عابرة سخرية متكررة من طالبة المنحة كأنها وصف يبرر الإهانة تفاصيل دقيقة عن اليوم والوقت والمكان وتفصيل حاسم جعل الوجوه تفقد لونها الطلاء صناعي وخطر تم توفيره من موقع يملكه والد أحد الفتيان. لم تكن زلة يد. لم تكن مقلبا. كانت نية مكتوبة ومحاولة





