قصص قصيرة

استغلوني كأنني عبء… لكن تلك الصفقة أنقذت حياتي

يسجل.
لكن ذلك على عظمه لم يكن الأهم.
الأهم أنني استعدت نفسي.
استعدت اسمي الحقيقي الاسم الذي حجب عني سبعة عشر عاما وكأن وجودي نفسه كان مؤجلا معلقا بلا اعتراف.
استعدت قصتي التي سرقت مني طويلا وأجبرت على عيش نسخة مزورة منها نسخة مليئة بالخوف والذنب والصمت نسخة لم تكن تشبهني.
وبقي دون رامون إلى جانبي في كل لحظة.
لا بصفته وصيا قانونيا يؤدي واجبا ثم ينصرف.
ولا منقذا ظهر في اللحظة الأخيرة ليختفي بعدها تاركا فراغا جديدا.
بل أبا اختار أن يكون حاضرا.
أبا لم يجمعنا الدم لكن جمعتنا الرحمة والصدق والاختيار الواعي أن نرمم ما كسره الآخرون لا أن ندفنه أو نتجاهله أو نعتبره قدرا لا يمس.
علمني كيف أعيش بلا خوف بلا ارتجاف دائم في الصوت أو في الخطوات بلا ذلك الشعور الخفي بأن العقاب ينتظرني خلف كل لحظة هدوء.
علمني كيف أمشي ورأسي مرفوع دون شعور بالذنب لمجرد أنني موجودة ولمجرد أنني أتنفس.
علمني كيف أضحك دون أن أعتذر وكيف أفرح دون أن أتوقع العقاب بعد كل لحظة سعادة وكأن الفرح لم يعد جريمة.
وعلمني قبل كل شيء أن الحب الحقيقي لا يذل ولا يوجع ولا يكسر بل يحتضن ويرمم ويمنح الأمان.
واليوم في المكان ذاته الذي كان يوما بيت طفولتي الرمادي ذلك المكان الذي تعلمت بين جدرانه كيف أصغر نفسي وكيف أختفي بصمت لأبقى على قيد الحياة يقف ملجأ للأطفال المعنفين.
المكان نفسه لكن الروح تغيرت.
الجدران لم تعد تحفظ الهمسات المكبوتة بل صدى الضحكات الخجولة التي تتعلم الخروج إلى النور.
لم يعد يحمل الصمت الثقيل بل الأصوات أصوات حياة تحاول أن تبدأ من جديد.
لم يعد يسكنه الخوف بل الأمل ولا يهيمن عليه الألم بل أصبح مساحة للشفاء ولإعادة تعلم الثقة خطوة خطوة.
بيت مفتوح لمن ظن يوما أن العالم تخلى عنه
لمن اعتقد أن القسوة قدر وأن الأذى لغة الحياة الوحيدة.
وملاذ دافئ لمن يحتاج أن يسمع ولو مرة واحدة فقط أن وجوده ليس عبئا وأن حياته ليست خطأ وأنه يستحق أن يحب دون شروط وأن يحمى دون مقابل وأن يمنح فرصة جديدة لا تبنى على الخوف ولا على الألم.
لأن لا أحد لا أحد يستحق أن يكبر وهو يحمل داخله فكرة أنه بلا قيمة أو أنه وجد بالصدفة أو أنه عبء يجب تحمله بصمت.
لا أحد يستحق أن يتعلم مبكرا كيف يكتم صوته أو يبرر الأذى أو يعتذر عن وجوده.
أحيانا وفي لحظات هدوء نادرة أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي بيعوني فيه مقابل بضع عملات.
أتذكر الارتجاف في أطرافي وبرودة الطريق والفراغ الذي ابتلع قلبي وأتذكر كيف ظننته نهاية قصتي أحلك فصولها اللحظة التي انطفأ فيها كل أمل وانغلقت فيها كل الأبواب دفعة واحدة.
أتذكر كيف شعرت أنني وحدي تماما بلا اسم بلا حماية وبلا مستقبل.
لكنني الآن أعرف الحقيقة كاملة وأراها بوضوح لم أعرفه من قبل.
لم يبيعوني ليدمروني.
لم يبيعوني ليكسروني أو ليمحوا ما تبقى مني.
باعوني
لينقذوني.
ربما لم يكن ذلك قصدهم وربما لم يعرفوا ما يفعلون لكن تلك اللحظة التي ظننتها سقوطي الأخير كانت بداية نجاتي. كانت الباب الذي أغلق بعنف ليفتح خلفه طريقا لم أكن أراه.
وإن لامست هذه القصة قلبك فلا تتردد في مشاركتها.
فأنت لا تعلم من يحتاج اليوم إلى أن يقرأ ولو مرة واحدة فقط أن حياته ما تزال قابلة للتغيير وأن النور قد يولد أحيانا من أكثر اللحظات ظلمة وأن الخلاص قد يأتي من حيث لا نتوقع أبدا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى