قصص قصيرة

اختارت حلمها وخسرت عائلتها… وبعد 10 سنوات عادوا ليروا الحقيقة

حقيقتها سمحت لنفسها بأن تكون مجرد ابنة.
بعد ثلاثة أشهر خرج ريتشارد من المستشفى. كان السرطان في حالة خمود. وكان الأطباء متفائلين بحذر. اجتمعت عائلة هاميلتون مجددا في منزل تشارلستون لكن الأجواء كانت مختلفة هذه المرة. أحضر مايكل خطيبته. أعدت إليزابيث العشاء المفضل لكاثرين. أما ريتشارد فكان لا يزال ضعيفا لكنه مبتسم ورفع كأسه مقترحا نخبا.
قال ريتشارد وهو يرفع كأسه وصوته يحمل مزيجا من الامتنان والاعتراف المتأخر 
من أجل العائلة ومن أجل الشجاعة في اتباع الطريق الخاص مهما بدا صعبا ومن أجل الحب الذي قد نبتعد عنه أحيانا لكنه يظل قادرا دائما على إعادتنا إلى الوطن.
ارتفعت الكؤوس من حول المائدة لكن كاثرين بقيت لحظة تتأمل الوجوه التي أمامها. وجوه أنهكها الزمن وغسلها الندم وصقلها الفقد. رفعت كأسها بهدوء ونظرت حول الطاولة نظرة طويلة كأنها تريد أن تحفظ هذا المشهد في ذاكرتها إلى الأبد. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت بشيء افتقدته طويلا شعرت بالاكتمال.
لقد حلقت بعيدا بعيدا جدا عبر المحيطات والسماء المفتوحة واجهت الخوف والوحدة والاختبارات القاسية. نعم كانت رحلتها مليئة بالتضحيات لكن كما يعلم كل طيار جيد فإن أصعب مراحل الرحلة ليست لحظة الإقلاع بل لحظة العودة. العودة وأنت شخص مختلف أكثر قوة وأكثر صدقا مع نفسك. وكانت كاثرين قد عادت أخيرا لا مهزومة ولا منكسرة بل منتصرة بذاتها وقد هبطت تماما في المكان الذي كان ينبغي أن تكون فيه منذ البداية.
تعلمنا قصة كاثرين درسا عميقا لا يشيخ مع الزمن إن اتباع الهدف الحقيقي ليس أنانية بل شجاعة خالصة. كان والداها يعتقدان أنهما يحميانها حين رسما لها طريقا واحدا لا يجوز الحياد عنه لكنهما في الواقع كانا يقيدان حقيقتها دون أن يدركا ذلك. وعندما امتلكت كاثرين الجرأة لتكون نفسها لم تخسر عائلتها كما ظنت بل منحتهم الفرصة لرؤيتها كما هي فعلا لا كما أرادوها أن تكون.
كم مرة نقف نحن في موقع الحكم لا في موقع الفهم فنقيس أحلام أبنائنا أو أحفادنا أو من نحب بمسطرة مخاوفنا نحن لا بمقدار شغفهم كم مرة نرفض أحلاما لا لأنها خاطئة بل لأنها تربك تصوراتنا أو تهدد الصورة التي رسمناها في أذهاننا عن المستقبل كم مرة نلبس السيطرة ثوب الحرص ونغلف الكبت باسم الحماية ونسمي الخوف حكمة وتعقلا بينما هو في حقيقته عجز عن الثقة
ألسنا في لحظات كثيرة نشبه والدي كاثرين أكثر مما نحب أن نعترف نحب بصدق نعم لكن حبا مشوبا بالخوف بالخسارة بنظرة المجتمع وبالقلق من المجهول. فنضيع سنوات ثمينة من القرب ومن الإصغاء ومن الحب الصافي بسبب العناد والكبرياء وسوء الفهم. نضيعها ونحن نعتقد أننا نحمي بينما نحن في الحقيقة نقصي ونكسر ونؤجل المصالحة إلى وقت قد لا يأتي.
إن الشرف الحقيقي لا يولد من الطاعة العمياء للتقاليد ولا من المحافظة الجامدة على صور ورثناها دون أن نعيد النظر فيها. الشرف الحقيقي ينبع من النزاهة مع الذات ومن الجرأة على مراجعة القناعات ومن الشجاعة على الاعتراف بالخطأ حين يتضح ومن القدرة على التغيير قبل أن يصبح الندم بلا جدوى. ينبع من أن نحب دون أن نمتلك وأن نوجه دون أن نصادر وأن نخاف دون أن نقيد.
وأنت هل وجدت نفسك يوما واقفا عند مفترق طرق ممزقا بين إرضاء من تحب وبين الوفاء لما تؤمن به في أعماقك هل اخترت السلام المؤقت الذي يرضي الجميع ظاهريا أم الحقيقة المؤلمة التي تنقذك من خيانة ذاتك كيف غير ذلك القرار مسارك هل دفعك إلى الندم أم قادك بعد الألم إلى فهم أعمق لنفسك ولمن حولك
شاركنا قصتك فلكل تجربة إنسانية صوت ولكل قرار حكاية ولكل ألم معنى يستحق أن يروى. فربما يجد غيرك في كلماتك مرآة لروحه أو عزاء لحيرته أو شجاعة كان يظنها بعيدة عنه.
وإن وجدت في هذه القصة ما حرك داخلك سؤالا أو أيقظ ذكرى أو دفعك للتأمل فلا تتردد في مشاركتها مع غيرك. فقد تكون هذه الكلمات في لحظة ما الضوء الوحيد الذي يحتاجه شخص يقف اليوم حائرا عند مفترق طرق يبحث فقط عن قصة واحدة تذكره بأن الشجاعة ممكنة وأن العودة إلى الذات مهما تأخرت تظل ممكنة دائما.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى