قصص قصيرة

ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل

بدا كأنه مغسول بضوء الشمس بعد عاصفة طويلة ولد ماتيو أندريس ريفيرا كورتيز.
كان يبكي بصوت عال صرخة حياة صافية كأنه يطالب بكل اللحظات التي انتظرها في الظل وكل الأيام التي قاوم فيها مع أمه صمت الغيبوبة.
وحين وضعوه على صدر فاليريا التصق جسده الصغير بجسدها الدافئ فانفجرت منها شهقة عميقة خرجت من صدرها لا كأنها زفرة ألم بل كأنها إعلان عودة عودة كاملة نهائية لا رجوع عنها.
بكت فاليريا وبكى هيكتور وبكى بعض من في الغرفة دون أن ينتبهوا حتى إلى دموعهم. لم يكن بكاء ضعف بل بكاء نهاية انتظار طويل.
بعد ساعات حين هدأت الغرفة وعاد الصمت إليها كان أول من دخل عليها زائر صغير بخطوات مترددة ولكن بعينين لامعتين.
كان دييغو إيميليانو.
وقف قرب السرير يتأمل الطفل كما لو كان ينظر إلى نجم ولد لتوه في سماء قريبة. اقترب قليلا وخفض صوته وهمس بجدية طفولية خالصة
مرحبا يا ماتيو.
أنا دييغو.
أنا من أحضر لك أمك.
ابتسمت فاليريا له ابتسامة متعبة لكنها صافية. نظرت إليه طويلا وكأنها ترى فيه كل ما أعادها من العتمة. بصوت ما يزال خشنا ضعيفا لكنه واضح قالت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد المفاجأة التي جعلت حتى بياتريس ميندوزا الواقفة عند الباب تسقط حذرها للحظة
دييغو هل تقبل أن تكون عرابه
اتسعت عينا الطفل وتجمد في مكانه.
لم يكن سؤالا عاديا بالنسبة له.
قال بدهشة صادقة
أنا
عراب حقيقي
أجاب هيكتور وهذه المرة لم يرتجف صوته بل خرج ثابتا ممتلئا امتنانا
نعم حقيقي.
لقد منحتنا عائلة كاملة.
مرت الأيام ثم الأسابيع وبدأت آثار تلك القصة تتجاوز حدود الغرفة رقم 312.
افتتح المستشفى برنامجا تجريبيا صغيرا للعلاجات التكميلية تحت إشراف طبي ودراسة علمية دقيقة. لم يعد الحديث عن الطين أو الأعشاب همسا في الممرات بل موضوع بحث ونقاش.
جرى تعيين دونيا توماسا مستشارة مجتمعية ولأول مرة منذ سنوات طويلة توقفت عن العيش بخوف دائم من فقدان عملها. صار صوتها مسموعا لا لأنها كسرت القواعد بل لأنها فتحت بابا كان مغلقا.
أما بياتريس ميندوزا المرأة الصارمة التي كانت ترى العالم من خلال البروتوكولات فقط فكانت المفاجأة الأكبر. صارت أول من يصر على توثيق كل خطوة كما ينبغي واعترفت يوما بصوت منخفض وفي لحظة صدق نادرة أن جدتها كانت تستخدم علاجات مشابهة لكنها تعلمت منذ صغرها أن تخجل من ذلك.
قالت وهي تنظر إلى دييغو باحترام لم يسبق له مثيل
كم هو غبي
لقد نسيت كيف أستمع.
حصل دييغو إيميليانو على منحة مدرسية غيرت مسار حياته. لم يعد مجرد طفل يرافق جدته ليلا بل صار طفلا ينظر إليه كمنقذ صغير دون أن يحمل فوق طاقته.
ومع كل شهر جديد يكمله ماتيو أندريس في حياته كان هيكتور وفاليريا يكرران الطقس نفسه
صورة عائلية بسيطة
كوب شاي نعناع دافئ
والعراب الصغير يحمل الطفل برفق شديد كأنه يحمل مستقبلا لا يريد له أن ينكسر.
لأنه في النهاية في الغرفة رقم 312 لم يكن أول ما استيقظ هو فاليريا.
بل كان الأمل.
والأمل حين تحمله يد صغيرة وقلب نقي وصوت لا يعرف اليأس يكون أحيانا قويا بما يكفي ليحرك حتى ما ظن الجميع أنه لن يتحرك أبدا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى