
ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل
كانت أمطار شهر آذار تضرب نوافذ مستشفى القلب المقدس الإقليمي في غوادالاخارا بعنف كأنها تحاول اقتحام المكان لتغسله بالماء البارد وتمحو كل ما فيه من رائحة المبيض والإرهاق والصلوات الهامسة.
في الغرفة رقم 312 كان الصوت الأكثر ثباتا هو صوت جهاز المراقبة
بيب بيب بيب
إيقاع عنيد لا يتزحزح أمام شيء.
فاليريا كورتيز ممرضة بالمهنة ومريضة بحادثة قاسية من حوادث الحياة كانت عالقة في غيبوبة عميقة منذ ثمانية أشهر. كانت في الثانية والثلاثين من عمرها ومع ذلك كان في بطنها طفل ينمو طفل بدا مصمما على تذكير الجميع بأن الجسد لا يطيع دائما التوقعات. كان الأطباء يكررون كلمات كانت تقع على قلب هيكتور ريفيرا كالحجارة
حالة نباتية
احتمالات ضعيفة
علينا الاستعداد لعملية قيصرية.
هيكتور المحاسب البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ترك مكتبه كما يترك المرء بيتا مشتعلا متمسكا فقط بالعمود الوحيد الذي ما زال قائما. كان ينام نوما سيئا على كرسي ويأكل أقل ما يمكن ويتحدث أكثر ما يستطيع. كان يحدث فاليريا عن أشياء بسيطة وكأن الحب سلك يصل مباشرة إلى أذنها يخبرها أن شجرة الجاكرندا في الساحة صارت بنفسجية وأن أمه أعدت حساء الدجاج مرة أخرى لأنه يشفي حتى الروح وأن الجنين يتحرك كلما همهم بلحن نشاز.
في ذلك العصر فتح الباب دون الطرقاللطيف المعتاد من طاقم التمريض.
لم تكن ممرضة.
كان طفلا.
كان في الثامنة من عمره بشعر داكن التصق جبينه به من الرطوبة ويحمل مرطبانا زجاجيا مملوءا بشيء يشبه التراب المبتل. طين كثيف داكن تفوح منه رائحة الأرض الزراعية بعد العاصفة.
قفز هيكتور واقفا وقد أفزعته استحالة الموقف أكثر من الطفل نفسه وقال
ماذا تفعل هنا يا صغيري من سمح لك بالدخول
لم يتراجع الطفل خطوة واحدة. كانت في عينيه نظرة فضول تتخللها جدية غريبة كأنه يحمل أمرا أثقل من المرطبان.
قال بهدوء
اسمي دييغو إيميليانو. أنا حفيد دونيا توماسا المرأة التي تنظف هنا ليلا.
ثم رفع المرطبان كما لو كان يقدم قربانا وأضاف
جدتي تقول إن هذا يساعد يساعدها على أن تستيقظ.
شعر هيكتور بردة الفعل التلقائية لمن أمضى شهورا يسمع عبارة لا يوجد ما يمكن فعله ضحكة مرة وغضب ورغبة في استدعاء الأمن. لكنه نظر إلى فاليريا.
لأول مرة منذ أسابيع بدا تنفسها مختلفا.
ليس أقوى
ولا أسرع
بل مختلفا فقط وكأن جسدها يحاول أن يتذكر طريق العودة.
سأل هيكتور محاولا ألا يبدو متشبثا بالأمل فالأمل كان مخيفا يشبه السقوط
وما هذا
أجاب دييغو إيميليانو بصوت خافت
طين من تيباتيتلان من مكان قريب من النهر حيث التربة غريبة وثقيلة.
ثم قال بثقة
كانت جدتي الكبرى قابلة وكانت تقول إن التراب يجذب الحياة حين تبدأ في التلاشي.
كان يتحدث بيقين الأطفال الذين لا يعرفون كيف يكذبون كذبا جميلا إما أن يقولوا الحقيقة أو يخترعوا تنينا. وفي هذا المزيج وجد هيكتور شيئا لم يره في المستشفى منذ وقت طويل النقاء.
قال هيكتور وهو يبتلع ريقه
انظر يا بني هذا يبدو جنونيا.
أجاب دييغو ببساطة
نعم. لكن ماذا لو لم يكن كذلك
فكر هيكتور في كل الإبر وكل الفحوصات وكل الاجتماعات الطبية التي شرحوا له فيها بأصوات لطيفة أن الجسد أحيانا يتوقف. فكر في بطن فاليريا في الطفل وفي الساعة التي كانت تمضي نحو موعد قيصرية محدد كأنه حكم.
قال أخيرا
بسرعة. وإن دخل أحد اختبئ.
غمس دييغو إيميليانو إصبعين في الطين وبدأ يدهنه بعناية فوق ثوب المستشفى في الموضع الذي كان بطن فاليريا ينتفخ فيه بالحياة. كانت يداه صغيرتين لكنهما تتحركان وكأنهما تعرفان الخريطة.
همس
استيقظي يا دونيا فاليريا. طفلك تعب من انتظارك في الأحلام.
ثم حدث شيء صغير جدا وفي الوقت نفسه شيء هائل تحركت أصابع فاليريا. حركة خفيفة كأنها انعكاس عصبي لكن هيكتور رآها. رآها بوضوح جعل قلبه يقفز إلى حلقه.
فاليريا!
انحنى فوقها وهو يرتجف.
سجل جهاز المراقبة تغيرا طفيفا بالكاد يلاحظ.
بيب بيب بيب
وكأن الجهاز نفسه يشك فيما يسجله.
واصل دييغو. لم يكتف بدهن الطين بل أخذ يتحدث. أخبر جسد فاليريا النائم بما لا يخبره أحد عادة لمريض غيبوبة أن المطر ما زال يهطل في الخارج وأن رائحة المستشفى كريهة وأن هيكتور لم يرحل وأن الطفل يركل كأنه يلعب كرة القدم. وكأن القلب يستطيع أن يسمع ما توقف الدماغ عن الإجابة عنه.
حين انتهى مسح يديه بمنشفة كان قد طواها في جيبه ونظر إلى هيكتور بنظرة جادة على نحو غير متوقع.
قال محذرا
لا تخبر رئيسة الممرضات. إنها تغضب من كل شيء.
ثم تسلل خارج الغرفة على أطراف أصابعه سريعا كسر.
تلك الليلة لم ينم هيكتور. راقب فاليريا كما يراقب المرء شمعة محاولا ألا يرمش كي لا تنطفئ. عند الثالثة فجرا أقسم أنه رآها تحرك شفتيها. لم تكن كلمة لكنها كانت نية وحطمته رقة ذلك المشهد.
في اليوم التالي فحصت الممرضة خيمينا المؤشرات الحيوية لفاليريا وقطبت جبينها.
قالت وهي تتأمل الملف
هذا غريب هناك تحسن طفيف في الاستجابة العصبية. لا شيء يدعو للاحتفال بعد يا سيد هيكتور لكن لم أر هذا منذ أشهر.
ابتلع هيكتور اسم دييغو إيميليانو ورائحة التراب. ليس لأنه لا يثق بخيمينا بل لأن للمستشفى قواعد قد تكون أحيانا أقسى من المرض نفسه.
عاد دييغو بعد يومين ومعه مرطبان أصغر وبعض الأوراق الخضراء ملفوفة في منديل.
قال
جدتي تقول ليس كل يوم. يجب أن نترك الجسد يمتص الخير.
سأله هيكتور
ما هذه الأوراق
قال
المليسة والنعناع. للتهدئة ولليقظة.
كانت المرة الثانية أكثر





