قصص قصيرة

وجع ام حكايات اسما

بعد وفـ,ـاة ابني أخبرتني زوجة ابني أنه لا ينبغي لي البقاء هنا بعد الآن. قالتها ببساطة جارحة، كما لو كانت تبلغني بموعد انقطاع المياه، لا كأنها تطـ,ـرد أمًّا دفـ,ـنت وحيدها منذ ساعات. وعندما حانت لحظة قراءة الوصية ابتسمت قائلة أتمنى أن تعتادي على عدم وجود مكان تذهبين إليه لأنني تأكدت أنك لن تحصلي على شيء. لكن في اللحظة التي قال فيها المحامي هناك بند أخير تجمدت تماما، ولم تكن تعلم أن تلك الكلمات ستعيد ترتيب كل شيء.
في اليوم الذي دفـ,ـنا فيه يوسف بدا بيتنا الصغير طبيعيًا بشكل موجع. صواني الطعام الجاهز فوق المنضدة، أطباق ورقية مكدسة قرب الحوض، ومبردة مياه بجوار باب المرآب. في زاوية الشارع كان الجيران يدخلون ويخرجون يحملون أطباق الطعام وأحضانا مترددة لا تعرف كيف تواسي. كان كل شيء يتحرك كما اعتاد، وكأن مـ,ـوت ابني لم يكن كسرًا في النظام، بل مجرد خبر عابر.
كنت أقف هناك مرتدية معطفي الأسود، صامتة، مخـ,ـدرة، أشعر أن جسدي يؤدي دورًا حفظه عن ظهر قلب. حين نظرت لي زوجة ابني ليلى مباشرة في عيني وقالت ببرود قاطع غدا يجب أن تغادري هذا المنزل، هذا لم يعد مكانك بعد الآن. لم تقل لاحقًا، ولم تطلب الحديث على انفراد. قالتها بصوت مسموع بينما الأقارب ما زالوا يقفون، وكان أحدهم يطوي الكراسي المعدنية في الحديقة الخلفية.
ابتلعت الكلمات التي كانت تحترق في حلقي. لم أكن مستعدة أن أحول وداع ابني الوحيد إلى مشهد آخر من الفوضى. هززت رأسي مرة واحدة فقط، ثم صعدت إلى الطابق العلوي، إلى الغرفة الصغيرة التي كان يوسف يسميها غرفة أمي. جلست على حافة السرير حتى شعرت أن الصمت صار ثقيلا كالحجر، وأن الهواء نفسه يحتاج إذنًا كي أتنفسه.
تذكرت يوسف وهو يضحك حين كان يسمي الغرفة بهذا الاسم، يقولها بنبرة فخر طفولي، كأنه يمنحني مملكة صغيرة داخل بيته. لم أتخيل يومًا أن هذه الغرفة ستصير محطة مؤقتة قبل الرحيل، ولا أن كلمة أمي ستُسحب من المكان بهذه القسوة.
في تلك الليلة حزمت أغراضي في ذهول. قمصان قليلة، المعطف القديم الذي اشتراه لي يوسف يومًا من كشك صغير في المركز التجاري وقال لي حينها إنه يبدو مريحًا، بعض الصور، وأوراق لم أفتحها منذ سنوات. حدقت في المفتاح الاحتياطي المعلق بخاتمي وأدركت أنه لم يعد مهما. يمكنها تغيير الأقفال قبل أن تبرد قهوتي.
بحلول الرابعة فجرًا كان صندوق سيارتي يحمل أربع حقائب وصندوق تذكارات في المقعد الخلفي. قدت على الطريق السريع مع شاحنات التوصيل والموظفين المتجهين إلى أعمالهم. العالم يتحرك كأن شيئًا لم ينكسر، وكأن ابني لم يختف من هذا العالم فجأة تاركًا فراغًا لا يملؤه شيء.
في الفندق كانت لافتة نيون صغيرة تطن خلف ستائر رقيقة، ورائحة الغرفة خليط من مطهر ومكيف هواء متعب. جلست على حافة السرير أحدق في الجدار، وفي عمر الثامنة والستين لم أتخيل يومًا أنني سأنظر إلى بطاقة بمفتاح وأسمي ذلك وضعًا مؤقتًا.
بعد يومين وصلتني رسالة من ليلى، قصيرة، باردة، تشبه تحديد موعد عند طبيب أسنان. سنقوم بقراءة الوصية هذا الأسبوع. لا تعزية، لا تردد، لا حتى مجاملة كاذبة.
في وسط المدينة دخلت مبنى المكاتب، سجلت اسمي في الاستقبال، علقت بطاقة زائر على صدري، وصعدت في مصعد يصدر موسيقى مبهجة لا تناسب يومًا كهذا. كنت أضغط بيدي على حقيبتي الصغيرة كأنها الشيء الوحيد الذي يربطني بالأرض.
جلست ليلى أمامي أنيقة، متماسكة، كأنها رتبت النتيجة مسبقًا. كانت واثقة إلى حد الوقاحة، وكنت أعرف هذا النوع من الثقة؛ الثقة التي تولد من الاعتقاد بأن كل الأبواب أغلقت خلفك.
مع بدء المحامية قراءة الوصية، وكلما تكرر تعبير الزوج، اتسعت ابتسامة ليلى أكثر. ثم مالت نحوي وهمست بتلك الجملة التي كانت تنتظرها منذ أيام، أتمنى أن تعتادي على عدم وجود مكان تذهبين إليه.
أبقيت يدي مطويتين حتى لا يرى أحد ارتجافهما. لم أرد. لم أحتج أن أرد. كنت قد استنفدت كل الكلمات منذ دفـ,ـنت ابني.
قلبت المحامية الصفحة وتوقفت لحظة، صمت قصير لكنه بدا أطول من اللازم، ثم قالت هناك بند أخير.
لاحظت التغير قبل أن أفهم الكلمات. ليلى توقفت عن التنفس لثانية، لا بوعي، فقط ارتباك خفيف، كأن شيئًا غير محسوب تسلل إلى المشهد. لكنها استقرت سريعًا، ورفعت ذقنها بثقة مصطنعة.
قالت المحامية بصوت مهني ثابت بناءً على طلب المرحوم يوسف، فإن كامل ملكية المنزل الكائن في وتلت العنوان كاملًا تؤول إلى والدته السيدة فاطمة عبد الرحيم مع حق الإقامة الدائمة وغير القابل للإلغاء، ويمنع بيع العقار أو رهنه أو التصرف فيه بأي شكل دون موافقتها الخطية الكاملة ما دامت على قيد الحياة.
ساد صمت ثقيل. لم أتحرك. لم أبتسم. كنت أسمع الكلمات كأنها قادمة من غرفة أخرى. ليلى تجمدت تمامًا، وابتسامتها انكسرت في منتصف الطريق، لم تختفِ، بل علقت على وجهها بشكل مشوه.
تابعت المحامية كما نص المرحوم صراحة على أن أي محاولة لإجبار والدته على مغادرة المنزل تعتبر خرقًا مباشرًا للوصية، يترتب عليه نقل ما تبقى من الأصول السائلة إلى صندوق خيري باسمه.
في تلك اللحظة فقط التفتت ليلى نحوي. لا غضب، لا صراخ، فقط ذهول. كأنها ترى شخصًا جديدًا لم تنتبه لوجوده من قبل.
لم أقل شيئًا. اكتفيت بالنظر إليها، نظرة هادئة، خالية من الشماتة. لم أكن بحاجة للانتصار بصوت عالٍ. يوسف فعل ذلك نيابة عني.
بعد الجلسة خرجت من المبنى ببطء. الهواء كان أخف مما تذكرت. جلست في سيارتي للحظة، وضعت يدي على المقود، وأغمضت عيني. لم أشعر بالفرح. شعرت بالعدل، وهو شعور أكثر ثباتًا وأطول عمرًا.
عدت إلى المنزل في اليوم نفسه. المفتاح القديم ما زال يعمل. دخلت إلى غرفة أمي، وضعت حقائبي على الأرض، وجلست على السرير. الغرفة لم تتغير، لكنني تغيرت.
في المساء أعددت كوب شاي، جلست قرب النافذة، ونظرت إلى الشارع الهادئ. لأول مرة منذ وفـ,ـاة يوسف لم أشعر أنني ضيفة في حياتي.
لم يكن هذا انتقامًا. كان وفاءً.
وفاء ابنٍ عرف أن أمه، حتى وهي صامتة، تستحق أن تبقى في مكانها.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى