
وجع ام حكايات اسما
بعد الدفـ,ـن بساعات قليلة فقط، بينما ما زالت رائحة البخور عالقة في الستائر، اقتربت مني حماتي. لم تحتضنني، لم تقل لي البقية في حياتك، لم تنادني حتى باسمي. جلست أمامي، أخرجت ورقة مطوية بعناية من حقيبتها، وقالت بصوت منخفض لكنه حاسم:
دي ورقة توقيع بس. إجراء روتيني. عشان نخلّص الأمور.
نظرت إلى الورقة دون أن أمد يدي. كنت أعرف هذا النوع من الأوراق. عرفت العنوان المكتوب في الأعلى، وعرفت المسافات الفارغة المخصصة للتوقيع. لم أسأل ما الذي سأوقّع عليه، ولم أطلب وقتًا للتفكير. رفعت رأسي ونظرت إليها وقلت بهدوء:
حاضر.
كان الارتياح واضحًا على وجهها. ارتياح من يعتقد أن المعركة انتهت قبل أن تبدأ. أعطتني قلمًا أزرق، وقالت بسرعة:
وقّعي هنا… وهنا كمان.
وقّعت. بلا تردد. بلا نقاش. بلا دموع.
لم تسألني لماذا لم أجادل. ولم تسألني إن كنت قد قرأت. افترضت أنني امرأة مكسورة، منهكة، لا تملك رفاهية الفهم. وهذا كان أول خطأ.
في الأيام التالية، بدأ البيت يفرغ مني ببطء. لم يطلبوا مني الخروج صراحة، لكنهم جعلوا وجودي ثقيلا. الغرفة التي كنت أنام فيها صارت مخزنًا مؤقتًا، أشيائي تُنقل دون استئذان، ونظراتهم تقول كل شيء دون كلمة واحدة. كنت أتحرك بينهم كضيف انتهت زيارته لكنه لم يفهم الإشارة بعد.
بعد أسبوع، قالت لي حماتي بلهجة شبه لطيفة:
أنتِ عارفة طبعًا إن البيت ده بيت العيلة، وإحنا مقدّرين ظروفك، بس يمكن الأفضل تروحي تقعدي عند أهلك شوية.
ابتسمت. نفس الابتسامة. وقلت:
طبعًا.
لم أجادل. لم أذكّرهم أنني عشت في هذا البيت خمسة عشر عامًا. لم أقل إنني كنت أفتح بابه كل صباح وأغلقه كل مساء. جمعت حقيبة واحدة فقط، وخرجت.
انتقلت إلى شقة صغيرة في حي بعيد. شقة لا يعرفها أحد منهم. كنت أعيش بهدوء شديد، أعمل، أربي ابني، وأتابع الأيام كما لو أنها لا تحمل مفاجآت. لم أتصل. لم أشتكِ. لم أطالب بشيء. تركتهم يعتقدون أنني انتهيت.
لكن الحقيقة أنني بدأت.
في ليلة هادئة، أخرجت نسخة من عقد زواجي القديم. العقد الذي وقّعته منذ سنوات دون أن أفكر فيه كثيرًا. قرأته هذه المرة كلمة كلمة. توقفت عند بند صغير في الصفحة الثالثة. بند لم يشرحه لي أحد وقتها، ولم يلفت انتباههم الآن. بند يتحدث عن “حق الانتفاع المشروط” و”نقل الملكية في حال التنازل الطوعي”.
ابتسمت.
في اليوم التالي ذهبت إلى محامٍ. رجل هادئ، لا يرفع حاجبيه كثيرًا، يستمع أكثر مما يتكلم. وضعت أمامه العقد، ونسخة من الورقة التي وقّعتها يوم العزاء، وقلت فقط:
عايزة أفهم.
قرأ. أعاد القراءة. ثم رفع رأسه ونظر إليّ نظرة مختلفة. ليست نظرة شفقة، بل فضول حذر.
هو اللي قال لك توقّعي؟
هززت رأسي.
وأنتِ قريتي اللي مكتوب؟
قلت بصدق:
كنت عارفة أنا بوقّع على إيه… بس همّ لأ.
سكت قليلًا، ثم قال:
اللي حصل ده… مش في صالحهم.
لم أفرح. لم أحتفل. كنت أعرف أن العدالة الحقيقية لا تصرخ. هي فقط تنتظر الوقت المناسب.
مرت شهور. هم كانوا مشغولين بترتيب حياتهم الجديدة، بتقسيم الغرف، بتغيير الأثاث، وبالحديث عن “إغلاق الملفات القديمة”. وأنا كنت أرتّب شيئًا آخر. أوراق. مواعيد. توكيلات. وكل شيء باسمي وباسم ابني.
حين جاء اليوم، لم أتصل بهم. لم أرسل رسالة. وصلهم الإخطار رسميًا، مختومًا، بلا مقدمات عاطفية.
دعوة لحضور جلسة قانونية عاجلة.
دخلوا القاعة بثقة من يعتقد أنه لا يملك ما يخسره. جلست أنا في الجهة الأخرى، بهدوئي المعتاد، نفس الابتسامة الصغيرة.
بدأ القاضي الحديث. ثم بدأ المحامي يشرح. كلمات مثل “تنازل مشروط”، “نقل ملكية”، “إخلال بالاتفاق”، “حق الانتفاع القانوني”.
بدأت الوجوه تتغير.
حماتي نظرت إليّ لأول مرة منذ شهور. نظرة طويلة، مشوشة.
إيه اللي بيحصل؟
لم أجب. لم يكن هذا دوري.
حين انتهت الجلسة، كان القرار واضحًا. البيت لم يعد لهم. التوقيع الذي اعتقدوا أنه أنهى كل شيء، كان هو نفسه المفتاح الذي فتح كل الأبواب. التنازل فعّل بندًا قديمًا نقل الملكية القانونية باسم ابني، وأنا الوصية الوحيدة عليه حتى يبلغ السن القانوني.
خرجوا من القاعة صامتين. بلا صراخ. بلا مشاهد. فقط صدمة ثقيلة.
اقتربت مني حماتي عند الباب، وقالت بصوت مكسور لأول مرة:
إنتِ عملتي كده ليه؟
نظرت إليها بهدوء، وقلت:
أنا بس قرأت اللي وقّعت عليه.
عدت إلى البيت بعد أسابيع. نفس البيت. لكن الإحساس مختلف. لم أغيّر الأثاث. لم أبدّل الأقفال. جلست في الصالة، نفس الكرسي الخشبي، وشربت كوب شاي بهدوء.
لم يكن هذا انتقامًا.
كان تصحيحًا.
هم قالوا لي وقّعي…
فابتسمت.
تمت





