
صحيت لقيت نفسي
نور فضلت باصة له كأن الكلام نزل على دماغها زي الصاعقة. سحبت إيديها منه بسرعة وقالت وهي بتحاول تجمع أنفاسها
مسؤوليتي تجاهك؟! يا فندم أنا حتى مش فاكرة اللي حصل!
رائف سكت ثانيتين وبعدين لف وشه الناحية التانية كأنه بيحارب حاجة جواه.
وده اللي مزعلني.
اتعقدت حواجبها.
يعني إيه؟
تنهد ببطء، وقعد على طرف الكنبة اللي قدام السرير وقال بصوت أهدى
أنتِ طول عمرك فاكراني واحد بارد وماعنديش قلب بس اللي حصل امبارح عمره ما كان مجرد تهور بالنسبة لي.
نور بلعت ريقها وهي حاسة إن قلبها هيقف.
رائف كمل وهو باصص في الأرض
في الأسانسير قبل ما توصلي للجناح كنتِ شبه منهارة من التعب والدوخة، وفضلتي تقوليلي جملة واحدة.
قولت إيه؟
رفع عينه فيها أخيراً والعينين اللي الشركة كلها بتخاف منهم كانوا مليانين وجع غريب
قولتي متسبنيش لوحدي تاني.
الهواء اتسحب من صدرها.
اللحظة رجعت لها فجأة الأسانسير إيدها ماسكة جاكيته إحساسها إنها بتتكلم مع حد تعرفه من سنين مش مديرها وبس.
لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
قالت بتوتر
بس ده مايفسرش كلامك عن المسؤولية.
سكت شوية وبعدين قام ناحية الدرج اللي جنب السرير، فتحه بهدوء، وطلع منه ظرف أبيض.
مدهولها.
نور فتحته بإيد بتترعش ولما شافت اللي جواه، حست الدنيا بتميل بيها.
كانت ورقة عقد نقل داخلي.
طلب رسمي باسمها هي.
لنيويورك.
ترقية كبيرة مرتب أضعاف وتوقيع الإدارة العليا.
رفعت عينيها بعدم فهم
إيه ده؟
رائف ابتسم لأول مرة ابتسامة حزينة أوي.
امبارح الشركة المنافسة حاولت تشتريكِ.
شهقت.
إيه؟!
كانوا عارفين إنك أهم عنصر في الصفقةالأخيرة وعرضوا عليكي منصب أكبر. وأنا سمعتهم.
نور افتكرت فجأة الراجل اللي كان بيكلمها في الحفلة افتكرت إنها كانت متضايقة ومتوترة وبتقول إنها تعبت من الشغل والضغط.
رائف كمل
ولما سألتك إذا كنتِ هتوافقي قولتيلي إنك مستحيل تسيبي مكاني.
سكت وبعدين ضحك ضحكة قصيرة موجوعة
وقولتِ كمان إنك كل مرة بتشوفيني بتحسي بالأمان.
نور حست وشها سخن.
أنا قولت كده؟
وأكتر.
قلبها بدأ يدق بعنف.
رائف قرب خطوة وقال بهدوء
نور أنا بقالي سنتين بحارب نفسي عشان أفضل مجرد مديرك. كل مرة كنتِ تدخلي مكتبي كنتِ بتكسري كل القواعد اللي حاططها لنفسي.
هي ماقدرتش تتكلم.
امبارح لما تعبتِ، الدكتور اللي في الفندق قال إن عندك هبوط حاد وإنك لازم ترتاحي. جبناكي هنا لأن جناحي أقرب وكان فيه طاقم طبي.
نور رمشت بسرعة.
يعني
ولا حاجة من اللي في دماغك حصلت.
الدموع لمعت في عينيها فجأة من شدة التوتر اللي كان خانقها.
رائف كمل بصوت أوطى
بس قبل ما تنامي مسكتي إيدي وسألتيني سؤال دمرني.
إيه هو؟
بصلها مباشرة وقال
هو أنا لو مشيت من الشركة هتبطل تبصلي بنفس الطريقة؟
قلبها وقع.
كل الذكريات الصغيرة بدأت تربط ببعض اهتمامه الزيادة طريقته معاها خوفه عليها طول الرحلة عصبيته لما حد يضايقها في الاجتماعات.
هي كانت شايفة بس كانت بتهرب.
نور نزلت عينيها وقالت بصوت مرتعش
أنا كنت فاكرة إنك عمرك ما حسيت بيا.
رائف ضحك بخفوت
أنا للأسف حسيت زيادة عن اللزوم.
سكتت ثواني طويلة وبعدين قالت بخوف حقيقي
طيب والشغل؟ الناس؟ الشركة؟
رائف قرب أكتر، لكن المرة دي كان هادي بشكل مطمن
ولا منصب يهمني لو هيخليني أخسرك.
وفي اللحظة دي خبط الباب.
نور اتوترت فوراً، لكن رائف فتح الباب بهدوء.
المفاجأة كانت إن مدير مجلس الإدارة بنفسه واقف برا ومعاه ملف.
ابتسم لهم ابتسامة واسعة وقال
واضح إني جيت في وقت حساس بس عندي خبر مهم.
نور حست قلبها هيقف تاني.
الراجل فتح الملف وقال
الشركة وافقت رسميًا على تعيينكِ شريكة تنفيذية للمشروع الجديد وده أول منصب من نوعه في تاريخ الشركة.
نور بصت لرائف بذهول.
المدير ضحك وقال
بالمناسبة رائف هو أول واحد رشح اسمك من سنة كاملة.
وسابهم ومشي.
فضلت نور واقفة مكانها، الدموع مالية عينيها لأنها استوعبت أخيراً إن الشخص اللي كانت فاكرة إنه جبل تلج كان طول الوقت بيحارب عشان يحافظ عليها، وعلى صورتها، وعلى مستقبلها أكتر حتى من نفسه.
ورائف قرب منها بهدوء وقال
دلوقتي تقدري تقولي ننسى اللي حصل؟
نور بصتله ثواني وبعدين ابتسمت لأول مرة من قلبها
لا أعتقد دي أول حاجة في حياتي مش عايزة أنساها.
القصة الثانية
طفل صغير أمضى ثلاث سنوات يعتني بجارته المسنّةثم في صباحٍ واحد تركت له هدية أخيرة
في البداية، بدا الأمر مجرد فعل صغير من اللطف. كان هاري في العاشرة من عمره عندما لاحظ لأول مرة معاناة غريس أمام منزلها الأزرق الصغير عبر الشارع.
كان الجميع في الحي يعرفون غريس. كانت امرأة مسنّة هادئة ذات شعر فضي مربوط بعناية على شكل كعكة، ترتدي سترات صوفية ناعمة تُغلق بأزرار حتى رقبتها، وخطواتها بطيئة تزداد بطئًا عامًا بعد عام.
كانت تقضي معظم بعد الظهر في العناية بزهور شرفتها، حتى عندما كانت يداها ترتجفان بشدة لدرجة لا تسمح لها بحمل إبريق الماء بشكل صحيح.
في أحد الأيام الباردة، كان هاري يركب دراجته قرب الممر عندما توقفت سيارة أجرة أمام منزل غريس.
وضع السائق عدة أكياس بقالة على الرصيف، ثم عاد إلى سيارته وغادر قبل أن تتمكن غريس حتى من الانحناء لالتقاطها.
راقبها هاري وهي تحاول رفع الكيس الأول.
تألمت فورًا.
حتى من بعيد، كان بإمكانه أن يرى كم كان الأمر صعبًا عليها.
مال أحد الأكياس بشكل خطير، والبيض يضغط على البلاستيك الرفيع.
تردد هاري لثانية واحدة فقط.
كان خجولًا بطبيعته ذلك النوع من الأطفال الذي يجيب الكبار بصوت منخفض ويتجنب لفت الانتباه. لكن رؤية غريس تكافح حرّك شيئًا داخله.
ترك دراجته على العشب وأسرع نحوها.
دعيني أساعدكِ، قال وهو يلتقط الأكياس قبل أن تعترض.
بدت غريس مذهولة.
ثم ارتسمت على وجهها المتعب ابتسامة لطيفة.
أنت ولد طيب جدًا، قالت بهدوء.
هز هاري كتفيه بخجل. لقد بدت ثقيلة فقط.
ضحكت غريس بخفة. هي أثقل مما كانت عليه من قبل.
حمل البقالة إلى داخل منزلها الذي كانت تفوح منه رائحة الليمون والدواء والكتب القديمة. كان المطبخ نظيفًا، لكن المنزل كان غارقًا في صمت مؤلم.
ضعها فقط على الطاولة يا عزيزي، قالت له.
وعندما استدار ليغادر، لاحظ أنها كانت تحاول الحفاظ على توازنها وهي تتكئ على كرسي.
بقي هذا المشهد في ذهنه.
في اليوم التالي، عاد.
دون أن يطلب منه أحد.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح يعود باستمرار.
أحيانًا كان يجلب طعامًا أعدته والدته.
شوربة دافئة عندما تمرض غريس.
كيك الموز عندما يكون هناك فائض في المنزل.
دجاجًا وأرزًا في الأيام التي تعترف فيها غريس بأنها نسيت الأكل.
وأحيانًا كان يساعدها في المنزل.
ينفض الغبار عن الأرفف، ويحمل





