قصص قصيرة

تظاهر بأنه متسوّل في مول يملكه… لكن ما فعلته عاملة النظافة قلب الموازين بالكامل

إيذاء المتسول مبرر
وهل الفقر يسقط صفة الإنسانية عن صاحبه
إن الأخلاق الحقيقية لا تختبر أمام الأقوياء وأصحاب النفوذ بل تظهر بوضوح أمام من لا يملك شيئا ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه.
توقف لحظة ثم أضاف بصوت أعمق
أنت لم تخطئ لأنك لم تعرفني بل لأنك كنت ستفعل الشيء نفسه لو بقيت متسولا.
ثم استدار ببطء نحو الحراس وقال بنبرة لا تحتمل نقاشا
أخرجوا هذا الرجل من هنا فورا.
ويمنع منعا باتا من دخول أي منشأة أملكها أو العمل فيها أو تمثيلها ابتداء من هذه اللحظة.
تقدم الحراس ورفعوا رومي من ذراعيه.
كان ېصرخ يتشبث بالأرض يستجدي الرحمة يكرر أسماء أطفاله وعائلته تماما كما يفعل بمن لا يملك سلطة ولا سندا.
لكن هذه المرة لم يلتفت إليه أحد.
اقتيد خارجا وصوت خطواته المتعثرة تبتعد بينما ظل الصمت مخيما على المكان صمتا ثقيلا محملا بالخجل.
عاد دون إدواردو ببطء نحو ميا.
كانت تقف في مكانها يداها ترتجفان عيناها متسعتان ما تزال غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
مد يده وأمسك يدها بلطف شديد اليد نفسها التي أمسكت بذراعه قبل قليل حين كان الجميع يتفرجون بصمت.
قال لها بصوت دافئ مختلف تماما عن صوته قبل لحظات
لا تنحني يا ميا.
أنت من رفعتني حين تجاهلني الجميع.
أنت من وقفت حين خاف الآخرون.
وأنت من ذكرتني بأن كل ما بنيته طوال عمري لا قيمة له إن لم يكن قائما على الإنسان أولا.
ثم الټفت إلى الحشد ورفع صوته لا ليخيف بل ليعلم
هذه المرأة التي كانت تنظف الأرض قبل دقائق
امتلكت شجاعة لم يمتلكها أصحاب المناصب.
امتلكت قلبا أنقى من كل المكاتب الفاخرة ومن كل التواقيع المختومة.
ثم أعلن قراره بوضوح لا يقبل التأويل
تعيين ميا نائبة للرئيس التنفيذي
ووريثة لإمبراطوريته بعد رحيله.
ساد ذهول مطبق.
لم يصفق أحد في البداية.
ثم بدأت الدموع ثم التصفيق ثم الهمسات التي تحولت إلى احترام صامت.
بكت ميا وحاولت الاعتراض وقالت بصوت متهدج إنها لا تحمل شهادات ولا خبرة في الإدارة ولا لغة الأرقام.
ابتسم دون إدواردو وقال بهدوء الواثق
الأعمال تعلم.
الإدارة تكتسب.
أما القلب النقي فلا يدرس في أي جامعة.
مرت السنوات.
رحل دون إدواردو بعد خمس سنوات بهدوء نادر دون صخب وهو يعلم أن ما تركه خلفه ليس مالا فقط بل معنى.
جلست ميا في مكتبه الواسع لكن قلبها ظل بسيطا كما كان يوم حملت الممسحة.
لم تغيرها المناصب ولم تنسها الكراسي من أين جاءت.
كانت تعرف أسماء الحراس واحدا واحدا.
تصافح عمال النظافة كل صباح.
تزور الموظفين المرضى دون إعلام مسبق.
وتقرأ بنفسها شكاوى أصغر عامل في المركز.
تحول المركز التجاري إلى مكان يذكر لا بجماله فقط بل بعدله.
وفي يوم عادي رأت عامل نظافة ېهان من أحد الزبائن.
تقدمت دون ضجيج وقالت بثبات هادئ
هنا لا ېهان أحد.
نظر إليها الزبون باستعلاء وسأل
ومن أنت
ابتسمت ميا ابتسامة تشبه تلك اليد التي أمسكت بعجوز ذات يوم وقالت ببساطة
عميقة
أنا المالكة.
وفي هذا المكان لا يقاس الإنسان بما يرتديه
بل بما يحمله في قلبه.
وهكذا ظل إرث دون إدواردو حيا
لا في المباني ولا في الأرقام
بل في امرأة اختارت في لحظة خوف
أن تكون إنسانة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى