
قال عنهم عبئًا… وبعد 30 عامًا سقط أمام الحقيقة
كان يرى في المسؤولية قيدا وفي الأبوة هزيمة.
عاد محني الظهر وكأن السنوات لم تمر عليه مرورا بل انقضت عليه دفعة واحدة.
كان جسده يحمل آثار الخيبات أكثر مما يحمل آثار المرض.
وعيناه اللتان كانتا يوما ممتلئتين بالغرور صارتا فارغتين متعبتين كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منذ زمن بعيد ولم يعرف كيف يطلبه.
فشلت تجارته.
ليس لأن السوق ظالم بل لأن يده كانت خالية من الصبر.
اختفى أصدقاؤه لأنهم لم يكونوا يوما أصدقاء بل شهود مصلحة.
والحياة التي حلم بها لم تتحقق لأنه بنى أحلامه فوق الهروب لا فوق الجذور.
وفي يوم ثقيل من أيامه الأخيرة حين لم يعد لديه عنوان يكتبه ولا اسم يتصل به ولا يد تمد نحوه ظهرت في ذاكرته صورة واحدة.
إيزابيل.
لميتذكر صراخها.
ولا توسلها.
ولا الأطفال الممددين على الأرض.
تذكر فقط صمتها ذلك الصمت الذي لم يفهمه يوما.
وصل متكئا على عصا لا لأن ساقه تؤلمه فحسب بل لأن روحه لم تعد قادرة على الوقوف وحدها.
توقف أمام البيت.
لم يكن البيت الذي تركه.
لم يكن بيتا متهالكا كما ظن أنه سيجده.
كان متواضعا نعم لكن جدرانه مستقيمة.
نوافذه مفتوحة.
بابه مطلي حديثا.
كان بيتا عاش فيه أحدهم ولم يهرب.
طرق الباب.
لم تكن الطرقات مترددة ولا واثقة.
كانت طرقات رجل لا يعرف إن كان يحق له أن يقف هناك أصلا.
فتحت إيزابيل.
لم تتفاجأ.
كأنها كانت تعرف في أعماقها التي لم تخطئ يوما أن هذه اللحظة ستأتي.
لم تكن تنتظرها ولم تتمنها لكنها كانت على يقين خفي بأنها ستقف يوما أمام الباب ذاته وترى الوجه الذي غاب لا كما كان بل كما صار.
منذ تلك الليلة الأولى
الليلة التي انغلق فيها الباب وبقي الصمت وحده شاهدا
عرفت إيزابيل أن الزمن لا ينسى وأن ما يترك خلفه لا يختفي بل يعود متأخرا ومثقلا وعاريا من الأعذار.
وقفت أمامه وعيناها لا تتسعان للدهشة ولا تنقبضان للغضب.
كان هدوؤها صافيا بلا حواف بلا ارتجاف.
ماذا تريد سألته.
خرج السؤال بسيطا بلا نبرة بلا اتهام.
لكن ذلك الهدوء في حد ذاته كان أثقل عليه من أي صراخ كان يتوقعه أو أي شتيمة كان مستعدا لتحملها.
تمنى لو صرخت.
لو بكت.
لو اتهمته.
لكنها لم تفعل.
في تلك اللحظة خانته ساقاه.
لم يسقط لأنه أراد
بل لأن جسده لم يعد قادرا على حمل ما تراكم فوقه من خيبات ومن سنوات عاشها هاربا من نفسه.
سقط على ركبتيه كما يسقط من يصل أخيرا إلى نهاية طريق لم يكن يجب أن يسلكه.
لم تكن حركة مسرحية.
لم تكن توسلا محسوبا.
كانت انهيارا.
ساعديني قال وصوته لم يكن صوت رجل يطلب
بل صوت إنسان انكسر ولم يعد يعرف كيف يقف.
لا أحد لدي.
كانت الكلمات قليلة
لكنها حملت فراغ ثلاثين عاما.
بقيت إيزابيل صامتة.
لم يكن صمت تجاهل
ولا صمت قسوة.
كان صمت انتظار.
صمت امرأة عرفت أن بعض الكلمات لا تقال فورا
وأن بعض اللحظات تحتاج أن تكتمل بنفسها.
ومن خلفها
ظهروا.
لم يظهروا دفعة واحدة
ولم يقتحموا المشهد.
وقفوا هناك بهدوء كما تقف الحقيقة حين لم يعد الهروب ممكنا.
خمسة بالغين.
لم يكونوا أبناء اللحظة
بل أبناء الزمن.
أنيقون لا لأنهم يريدون أن يروا
بل لأن حياتهم صقلتهم.
واثقون





