قصص قصيرة

قال عنهم عبئًا… وبعد 30 عامًا سقط أمام الحقيقة

لا لأنهم يريدون إثبات شيء
بل لأنهم يعرفون قيمتهم.
أقوياء لا لأنهم قساة
بل لأنهم تعلموا الصمود مبكرا.
وقفوا كتفا إلى كتف
لا كجدار عدائي
بل كوجود مكتمل.
من هذا الرجل سأل أحدهم.
لم يكن السؤال مشبعا بالغضب
ولا محملا بالسخرية.
كان سؤال إنسان يريد أن يعرف الحقيقة
لا أن يصدر حكما.
رفعت إيزابيل رأسها قليلا
وقالت بهدوء ثابت
أبوكم.
سقطت الكلمة كحجر في صدر راؤول.
لم تصرخ.
لم تضخم.
لكنها أصابت.
رفع رأسه ببطء
كمن يخشى النظر
لكنه يعرف أنه لا مفر.
نظر إليهم واحدا واحدا.
توقف عند الوجوه.
عند الملامح.
عند الأعين.
بحث عن نفسه فيهم
فوجدها.
بحث عن أثره
فوجده.
بحث عن أي عذر يمكن أن يتمسك به
فلم يجد شيئا.
كانوا هناك.
كاملين.
واقفين.
كانت الأعباء أمامه.
لم تعد كلمة.
بلأسماء.
وحيوات.
وطرق سلكوها من دونه.
ميغيل
وقف بثبات عيناه تحملان دقة الحساب واتزان القرار كمن تعلم مبكرا أن الخطأ مكلف.
صوفيا
ملامحها هادئة لكن صوتها حين يتكلم يعرف كيف يقود كيف يعلم كيف يفتح الطريق.
دانيال
حتى وهو واقف كانت يداه تتحركان بخفة كأن الخيال لا يهدأ داخله كأن العالم مساحة قابلة للتشكيل.
لويس
نظراته ثابتة لا تعلو ولا تنخفض يعرف متى يتقدم ومتى يقف ومتى يترك الآخرين يمرون.
إيلينا
لم تقل شيئا لكن حضورها كان ممتلئا صمتها يحمل وزن الصوت كأن الغناء يسكنها حتى في السكون.
كنت مخطئا بكى راؤول.
لم يكن بكاء اعتراف نقي
بل بكاء إدراك متأخر.
إدراك أن الحياة لم تنتظره
وأن ما ظنه عبئا صار معنى.
أنت لم ترد يوما أن تعرف قال لويس.
قالها بحزم بلا حدة
كما يقول الحقيقة من لا يحتاج أن يجرح ليكون صادقا.
تقدمت إيزابيل خطوة.
لم تكن تلك الخطوة خطوة انتصار تلوح به
ولا خطوة شفقة تثقل كرامة الآخر.
كانت خطوة إغلاق.
إغلاق دائرة ظلت مفتوحة ثلاثين عاما
دائرة بدأت بباب أغلق بعنف
وانتهت بباب فتح بهدوء لا يجرح.
وقفت إيزابيل أمامه لا أعلى منه ولا أدنى
وقالت بصوت لا يحمل غضبا ولا عتابا
قلت إنهم سيدمرون حياتنا.
توقفت لحظة.
لم تكن تحتاج أن ترفع صوتها
فالكلمات كانت أثقل من أن تقال بعجلة.
انظر إليهم الآن.
لم تشر بيدها.
لم تحتج.
كانوا هناك.
أنكس راؤول رأسه.
لم يكن انكسار جسد فقط
بل انكسار رواية عاش يصدقها سنوات.
كل ما بناه من أعذار
كل ما ردده ليقنع نفسه أنه كان محقا
انهار دفعة واحدة.
لم يكن لديه ما يضيفه.
الكلمات التي طالما استخدمها للهروب
سقطت قبله
واختفت.
لا أستحق شيئا.
قالها لا ليطلب الرحمة
بل لأنه أخيرا أدرك وزنها.
رفعت إيلينا رأسها قليلا.
لم تتقدم كثيرا
لكن حضورها ملأ الفراغ.
أمنا هي التي تستحق السلام.
قالت الجملة بهدوء لا يحتاج إلى تأكيد.
لم ترفع صوتها
لكن كلماتها وصلت إلى المكان الذي لم تصل إليه صيحاته يوما
إلى ذلك الركن العميق الذي ظل مغلقا داخله
الركن الذي لم يعرف معنى العطاء إلا حين فاته.
ثم تقدم ميغيل خطوة.
لم تكن خطوة مواجهة
بل خطوة وضوح.
سنساعدك.
قالها ببطء
كأنه يزن كل حرف.
لا لأنك أبونا
توقف.
لم يكن التوقف ترددا
بل احتراما للحقيقة.
بل لأننا تعلمنا من أمنا معنى أن نكون بشرا.
في تلك اللحظة
انهار راؤول تماما.
لم يعد بكاء رجل خسر مالا
ولا بكاء من فشل في تجارة أو حلم.
كان بكاء إنسان فهم أخيرا
ماذا خسر حين اختار الهروب بدل البقاء.
بكى لأنه رأى أمامه حياة كاملة
كان يمكن أن يكون

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى