
هرب من برلين عام 1945… وبعد 79 سنة اكتشفوا الحقيقة داخل كهف مظلم!
اتخذوا قرارات لم يكونوا ليتخذوها في أوقات طبيعية. هذا لا يبررهم. لكنه يذكرنا أن الشړ لا يوجد فقط عند كبار المجرمين بل يوجد أيضا في التواطؤات الصغيرة وفي الصمت المريح وفي التسويات مع الضمير.
كان لقضية ريختر آثار غير متوقعة. في ألمانيا أعادت فتح النقاش حول المسؤولية الجمعية والذاكرة التاريخية. وفي النمسا أجبرت المجتمع على مواجهة أسطورة وطنية مفادها أن النمسا كانت ضحېة للنازية فقط بينما كان كثير من النمساويين في الواقع مشاركين متحمسين.
درست كهوف أخرى في جبال الألب النمساوية مدفوعة بنظرية أن ريختر قد لا يكون الوحيد الذي اختار هذا النوع من الهروب. حتى تاريخ كتابة هذه القصة لم يعثر على اكتشاف مماثل لكن الباحثين ما يزالون يواصلون الاستكشاف.
أما بالنسبة لماتياس بيبر وفريقه فقد تغيرت حياتهم جذريا. جعلهم الاكتشاف مشهورين لكنها شهرة غير مريحة. أعطى ماتياس عشرات المقابلات وكان يكرر الرسالة نفسها لم نكن نبحث عن نازي. كنا نستكشف كهوفا فحسب. لكن الآن بعدما وجدناه لدينا مسؤولية أن تروى قصته على نحو صحيحلا كحكاية مغامر رومانسي أفلت من العدالة بل كحكاية رجل قضى قرابة ستة عقود يعيش في الخۏف والعزلة وإنكار ما فعل. إنها قصة تحذير لا قصة إلهام.
اليوم يستقبل الموقع التذكاري لكهف ريختر نحو خمسة عشر ألف زائر سنويا مجموعات مدرسية مؤرخون وسياح فضوليون. ينزل الجميع في الدرب نفسه الصعب الذي سلكه ريختر عام 1945. يدخلون القاعة نفسها حيث عاش وماټ.
لم تعد المرسيدس هناك لكن موضعها محدد بعلامة. يستطيع الزوار رؤية المكان الذي أوقف فيه ريختر سيارته والمكان الذي أنشأ فيه مساحة معيشته البدائية والمكان الذي كتب فيه يومياته الطويلة.
وفي نهاية الجولة توجد قاعة للتأمل. الجدران ليست مغطاة بصور ريختر بل بصور ضحاياه جنود سقطوا في المعارك التي قادها ومدنيون علقوا في عمليات شارك فيها وأسر دمرتها الحړب التي خدمها. وفي اللوحة الأخيرة سؤال بسيط لكنه ثقيل
عاش كلاوس ريختر مختبئا 58 عاما هربا من العدالة. هل نجح أم أنه حول حياته كلها إلى سجن طويل فرضه على نفسه
لا تقدم إجابة. يترك للزائر أن يقرر.
تبقى جبال النمسا شامخة ومهيبة وتبقى الكهوف غامضة لكنها تحمل الآن ثقل قصة تقول إن الأسرارمهما أخفيت بإحكامتنكشف في النهاية.
هرب كلاوس ريختر من نورمبرغ وهرب من السچن وهرب حتى من مواجهة علنية لچرائمه طوال حياته لكنه لم يهرب من التاريخ ولم يهرب من الحقيقة التي كتبها بيده في 143 دفترا. ماټ كما اختار أن يعيش معزولا غير نادم رافضا حتى النهاية أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحړب.
وعندما عثر على جثته بعد تسعة وسبعين عاما من حياته صار أخيرا ما كان يرفض أن يكونه وهو حي مثالا عاما على عواقب الإنكار والفرار.
الكهف يتذكر والدفاتر تشهد والعالم لا ينسى.





