Uncategorized

خمس سنوات من التضحية انتهت بجملة واحدة قلبت كل شيء

وقفت هناك أمسك كيس الفطائر الذي بدا فجأة فاحشا. الحب الذي ظننت أنني أقدمه تحول إلى منفعة. الإخلاص الذي منحته صار أداة لاستخدامي.
لم أواجهه. لم أبك أمامهما. استدرت بهدوء ورميت الكيس في سلة مهملات قرب المخرج.
وأنا أسير نحو سيارتي استقر شيء ما بداخلي. كانت الغضب يتقد لكن تحته وضوح. لو تصرفت بعاطفة لخسرت كل شيء. ولو انتظرت لاستعدت نفسي.
بعد دقائق كتب لي لوكاس يسأل أين أنا ثم أتبع سؤاله برسالة ثانية يتذمر فيها من الجوع وثالثة يشكو فيها من برودة الجو في الفناء. قرأت الرسائل كلها دون أن يتغير وجهي. لم أشعر بالذنب ولم أشعر بالشفقة. كان في داخلي فراغ غريب أشبه بسكون يأتي بعد ضجيج طويل. كتبت له بهدوء متعمد أن السيارة تعطلت في الطريق وأنني سأحاول الوصول متى استطعت ثم أغلقت الهاتف كمن يغلق بابا على غرفة لم يعد يرغب في دخولها.
بدل أن أعود إلى المنزل قدت بلا استعجال نحو مكتبة المقاطعة. كان المبنى هادئا محايدا لا يطالبني بشيء. جلست بين رفوف الكتب محاطة بآلاف القصص التي لا تعرفني ولا تنتظر مني تضحية. أخرجت حاسوبي المحمول وعندما وضعت يدي على لوحة المفاتيح لاحظت شيئا لم أشعر به منذ سنوات الثبات. لم ترتجف أصابعي. لم يتسارع نفسي. كأن جسدي أخيرا أدرك أنني لم أعد في وضع الدفاع المستمر.
في ذلك المكان بدأت أستعيد نفسي قطعة قطعة.
في الأسابيع التالية تحولت حياتي إلى ازدواج دقيق. في الظاهر لم يتغير شيء. كنت أستيقظ في الوقت نفسه أعد الأدوية

أساعد لوكاس في الانتقال من السرير

إلى الكرسي أبتسم حين يشتكي وأهز رأسي حين يروي قصصه المكررة. كنت الزوجة التي يعرفها التي يعتمد عليها التي يظنها ثابتة في مكانها كقطعة أثاث لا تسأل ولا تحاسب.
لكن في الداخل كنت شخصا آخر تماما.
صرت دقيقة إلى حد الهوس. كل ورقة تمر بين يدي كنت أحتفظ بنسخة منها. كل إشعار بنكي كنت أراجعه حرفا حرفا. اكتشفت حسابات لم أكن أعرف بوجودها وتحويلات لم تشرح لي يوما. قرأت وثائق التأمين ببطء شديد ووجدت اسمي غائبا كأنني لم أكن موجودة قط. سجلت المحادثات التي يسمح بتسجيلها قانونيا لا بدافع الانتقام بل بدافع التوثيق. كنت أبني ملفا لا يعتمد على العاطفة بل على الوقائع.
الأكثر إيلاما لم يكن ما اكتشفته من أرقام بل ما اكتشفته من أنماط. الطريقة التي كان لوكاس يتحدث بها عني حين يظن أنني لا أسمع. الافتراض الدائم بأنني باقية بأنني خيار مضمون بأن صبري مورد لا ينفد. أدركت حينها أن ما كان يربطنا لم يعد حبا منذ زمن بل اعتيادا مريحا له واستنزافا صامتا لي.
حين تواصلت مع ناتالي غرايسون زميلتي السابقة لم أحتج إلى شرح طويل. جلست أمامي في مقهى صغير واستمتعت إلى قصتي دون أن تقاطعني أو تقترح حلولا سريعة. وعندما انتهيت قالت بهدوء إن ما أعيشه ليس نادرا لكنه خطير إن طال أكثر. ثم كتبت اسما على ورقة صغيرة إيفلين بورتر.
لقائي بإيفلين لم يكن دافئا ولم يكن قاسيا. كان محايدا إلى حد أربكني في البداية. جلست أمامها وأنا أحمل سنوات من الإرهاق في صدري لكنها لم تنظر إلى تعبي بل إلى حقيبتي. لم تسألني كيف أنام ولا كم مرة بكيت بل سألتني عما أملك عما يمكن إثباته عما يمكن الوقوف به أمام قاض لا يعرفني ولا يعنيه مقدار ما ضحيت. لم تواسني بل طلبت التواريخ والأدلة أسماء البنوك نسخ العقود وتفاصيل كنت أظنها صغيرة لا تستحق الذكر. قالت لي بهدوء قاطع إن العدالة لا تبنى على النوايا ولا على القصص المؤثرة بل على المستندات الصامتة التي لا تنكر نفسها. وأضافت أن أفضل ما فعلته دون أن أدرك حينها هو أنني صمت عندما كان الصمت ضرورة لا ضعفا.
خرجت من مكتبها وأنا أشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنني لست مجنونة ولا أنانية ولا قاسية. كنت فقط متأخرة في حماية نفسي.
حين بدأ لوكاس يلاحظ التغير كان قد فات الأوان فعلا. لم يكن التغير في نبرة صوتي ولا في عدد الساعات التي أقضيها إلى جانبه بل في تلك التفاصيل التي لا ينتبه لها إلا من اعتاد السيطرة المطلقة. حساب لم يعد يعمل كما كان. بطاقة رفضت فجأة أمام موظف مرتبك. رسالة رسمية بلغة قانونية باردة لا تحمل اسمي كزوجة بل كطرف. رأيت الخوف يتسلل إلى عينيه لأول مرة لا خوف المرض بل خوف فقدان الامتياز.
حاول أن يفسر الأمر بطرق شتى. اتهمني بالإرهاق ثم بالانهيار العصبي ثم بالقسوة المتعمدة. وحين لم تنجح هذه الاتهامات انتقل إلى البكاء إلى استدعاء الذكريات إلى تذكيري بكل ما تحملته من أجله وكأن التضحية سند ملكية. وحين لم يجد في استجابة صرخ وهدد وتوعدني بأنني سأندم. لكن كل ذلك كان بلا وزن بلا تأثير أمام الأوراق الموقعة والتواريخ المثبتة والتسلسل الواضح الذي لا يترك مجالا للتأويل.
عائلته لم تتأخر في الاصطفاف ضدي. جاء الهجوم متوقعا لكنه لم يكن أقل قسوة. اتهمت بالخيانة بنكران الجميل بالتخلي في أحلك الظروف. قيل عني إنني استغللت ضعفه وإنني اخترت الهروب حين تعقدت الأمور. استمعت لكل ذلك بصمت لم يعد مؤلما. كان في داخلي يقين واحد لا يتزعزع لم يستطع أحد أن ينفي الوقائع. لم يستطع أحد أن يثبت أنني كنت يوما شريكة حقيقية في القرارات أو مستفيدة من هذا النظام غير المتكافئ. كنت وسيلة مريحة لا أكثر في منظومة صممت لتأخذ ولا تعيد.
في اليوم الذي انتقلت فيه من ذلك المنزل لم أشعر بالحاجة إلى خطابات وداع ولا إلى لحظات مسرحية. لم ألتفت إلى الجدران ولم ألمس الأثاث. وضعت أغراضي القليلة في السيارة أغلقت الباب خلفي وانتهى الأمر. لم أشعر بأنني أترك حياة كاملة بل بأنني أستعيد نفسي من حياة لم تعد تشبهني. كان الهواء أخف فعليا أخف وكأن صدري توسع فجأة. خطواتي كانت أهدأ متوازنة وكأن جسدي يتعلم المشي من جديد دون حمل مزمن فوق ظهره.
بعد أشهر حين اتصل بي المستشفى ليخبرني أن لوكاس أدخل مرة أخرى بسبب مضاعفات صحية لم أشعر بتلك الرجفة القديمة. شكرت المتصل وأغلقت الهاتف وجلست في مكاني. لم أشعر بالشماتة ولم أشعر بالذنب. كان هناك فقط إدراك هادئ بأن المسؤولية لم تعد لي وأن الرعاية التي كنت أمثلها لم تكن يوما واجبا أبديا. لقد اختار بنفسه من يعتمد عليهم وحدد بنفسه من يستحق موقعه في حياته وها هو الآن ينال اختياراته كاملة.
اليوم أجلس في مقهى مضيء افتتحته ناتالي وأنا معا مكان صغير لكنه صادق لا يخفي عيوبه ولا يجمل واقعه. أكتب خلال الساعات الهادئة أراقب الناس يدخلون ويخرجون كل منهم يحمل عالما كاملا في صمته. صرت أرى التعب دون أن أبتلعه وأرى الألم دون أن أحمله على كتفي. لم أعد أقارن نفسي بأحد ولم أعد أخاف من الوحدة. تعلمت أن الوحدة قد تكون مساحة للشفاء وأن الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة بل في البقاء حين يتحول البقاء إلى محو بطيء للذات.
لم أعد ظلا يحمل غيره كي يبقى واقفا.
أنا كاملة من جديد لا لأنني انتصرت على أحد بل لأنني توقفت عن الهزيمة اليومية.
والكرامة حين تستعاد لا تحتاج إلى إذن كي توجد ولا إلى شاهد ولا إلى تبرير. هي ببساطة تعود إلى مكانها الطبيعي في الروح وتغلق الباب خلفها بهدوء.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى