قصص قصيرة

الرجل الغريب والمنديل الأحمر

كنت في الثامنة. حتى صوته لم أعد أتذكره.
عندما مرضت جدتي قبل بضع سنوات تغير كل شيء. كنت في التاسعة عشرة وقضيت شهورا أساعد في رعايتها.
راقبت الممرضات اللاتي كن يأتين إلى منزلنا ولاحظت كم كن لطيفات وصبورات. حتى عندما كانت جدتي تتألم أو تكون مشوشة الذهن كن يعاملنها بكرامة عظيمة. لن أنسى أبدا كيف أمسكت إحدى الممرضات بيدها وأخبرتها بأنها شجاعة. ابتسمت جدتي لأول مرة منذ أسابيع.
حينها عرفت أنني أريد أن أكون تلك الشخص الحضور الهادئ واللطيف في أسوأ لحظات الناس.
المشكلة أن دراسة التمريض ليست رخيصة وعائلتي ليست ثرية. أمي ما زالت تعمل نوبات مزدوجة ومعظم الشهور بالكاد نغطي المصاريف. إذا أردت شيئا فعلي أن أكسبه بنفسي.
لذلك أعمل صباحا ومساء وعطلات نهاية الأسبوع لأدخر من أجل حلمي. ووظيفتي في التنظيف بهذا المنتجع تساعدني على ذلك.
معظم الضيوف مهذبون وبعضهم كريمون للغاية. حصلت على إكراميات جعلتني أبكي في غرفة المستلزمات لأنها تعني أنني أستطيع شراء البقالة ودفع قسط الدراسة في نفس الشهر.
لكن ثم كانت هي.
سجلت دخولها يوم الثلاثاء الماضي. كنت أرتب المناشف في الممر عندما وصلت تجر ثلاث حقائب مصممة خلف عامل حمل بدا وكأنه على وشك الاڼهيار. كانت نظارتها الشمسية أغلى من كامل ملابسي.
عندما سلمت بطاقتها الائتمانية لمكتب الاستقبال رأيت الاسم محفورا بحروف ذهبية
بلاتينيوم بابا.
لا أمزح.
في أول مرة طرقت باب غرفتها لأرتبها مساء نظرت إلي من أعلى إلى أسفل كما لو كنت شيئا علق بحذائها.
قالت
هل تحصلين على مكافأة لأنك تبدين بائسة أم أن هذا جزء من الوظيفة
أجبرت نفسي على الابتسام بأدب. كان صوت مشرفتي يتردد في رأسي الزبون دائما على حق حتى عندما يكون مخطئا.
مساء الخير يا سيدتي. جئت لترتيب غرفتك.
تنهدت باستخفاف ولوحت لي بالدخول.
أيا كان. فقط لا تلمسي مستحضرات العناية بالبشرة الخاصة بي. ثمنها أعلى من سيارتك.
لم يكن لدي سيارة. أركب الحافلة.
نظرت إلى بطاقة اسمي بينما بدأت أرتب الملاءات.
ماديسون صحيح اسم لطيف. كنت ستبدين ألطف لو لم تفوحي برائحة الكلور.
أبقيت رأسي منخفضا وواصلت العمل. ركزت على شد زوايا الملاءة بإتقان ونفش الوسائد كما أفعل دائما. كنت أعد الدقائق حتى أخرج.
لكنها لم تنته بعد.
تمددت على الأريكة تتصفح هاتفها بأظافر مصقولة ربما تساوي أكثر من راتبي الأسبوعي. ثم دون أن ترفع نظرها قالت
لا يمكنني أبدا أن أفعل ما تفعلينه. أفضل أن أموت على أن أنظف خلف الغرباء.
لم أرد. واصلت الحركة فقط.
ثم أمالت رأسها وكأنها تذكرت أمرا مثيرا للاهتمام.
أليس لديك أحلام أو شيء من هذا القبيل
توقفت لحظة. تجمدت يداي على غطاء السرير.
قلت بهدوء
أنا أدرس التمريض. هذه الوظيفة تساعدني في دفع تكاليف الدراسة.
ابتسمت.
يا لها من قصة ملهمة. أعتقد أن على أحدهم أن يمسح الأرضيات قبل أن يمسح المرضى.
شعرت عندها بحرارة في وجهي. أردت أن أقول شيئا لكن الكلمات علقت في حلقي.
فاكتفيت بإنهاء ترتيب السرير وشددت الزوايا بإحكام كما أفعل دائما
عندما انتهيت أمسكت بعربة التنظيف واتجهت نحو الباب. لكن عندما وضعت يدي على المقبض وفتحته تجمدت في مكاني.
كان يقف عند المدخل رجل لم أره من قبل. نظر إلي وقال
ماديسون ابقي هنا لحظة.
بدا في الخمسينيات من عمره يرتدي بدلة مفصلة بإتقان. تعبيره هادئ لكنه جاد. ومن خلفي سمعت شهقة حادة.
سقط هاتف إليانور على الأرض.
أبي خرج صوتها صغيرا ومصډوما.
بدأ قلبي يخفق بقوة. نظرت بينهما بحيرة وخوف مفاجئ. هل أنا في ورطة هل فعلت شيئا خاطئا
عذرا قلت بهدوء وصوتي يرتجف من حضرتك
دخل الرجل إلى الغرفة
بثقة هادئة.
اسمي ريتشارد. أنا والد
 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى