قصص قصيرة

زيارة غير معلنة

جوزي أشرف ساب البيت وقال إنه لازم يقعد عند أمه الحاجة زكية عشان يراعيها بعد الوقعة اللي حصلتلها، وفضل يكرر الكلام ده كل يوم بنفس الصوت المرهق كأنه شايل الدنيا فوق كتافه، وأنا كنت بصدقه من غير ما أسأل كتير، لأن أشرف طول عمره قدامي كان الراجل اللي يعتمد عليه، الراجل اللي يقف جنب الكل حتى لو على حساب نفسه، واللي عمره ما خلاني أشك في نواياه. عدى أسبوع وبعده أسبوع تاني، وبقينا أنا وبنتنا مريم نعيش على المكالمات السريعة اللي كانت بتيجي كل ليلة، وهو يقول إن أمه حالتها مش مستقرة ومحتاجاه جنبها طول الوقت. مريم كانت بتسألني كل شوية هو بابا إمتى هيرجع؟ وأنا كنت أبتسم وأقول لها قريب يا حبيبتي، لما تيتا تبقى أحسن. لكن الحقيقة إن البيت كان ناقصه حاجة كبيرة، والهدوء اللي سابه وراه كان تقيل على القلب.
في يوم الأحد، مريم قالتلي بحماس طفولي يا ماما تيجي نروح نفاجئ بابا؟ أكيد هيفرح لما يشوفنا. الفكرة عجبتني،وقلت لنفسي يمكن الزيارة دي ترجع الدفا اللي كان بينا. اشتريت حواوشي من المحل اللي بيحبه، وجبت بسبوسة سخنة، ومريم رسمت رسمة جميلة لجدتها زكية، فيها شمس كبيرة وبيت وشجرة ومكتوب فوقها سلامتك يا تيتا. ركبنا العربية وطلعنا في زحمة الطريق حوالي أربعين دقيقة لحد بيت العيلة القديم في المنيرة. طول الطريق كنت متخيلة رد فعله لما يفتح الباب ويلاقينا قدامه فجأة، يمكن يضحك ويقول إننا وحشناه. لكن أول ما وصلنا وطلعت على السلم، لاحظت إن باب الشقة موارب.
وقفت لحظة مستغربة. أشرف معروف عنه إنه يقفل الباب كويس حتى لو نازل يرمي القمامة. قربت من الباب، لكن قبل ما ألمسه حسيت بمريم بتشد طرف العباية بتاعتي. بصت لي وهمست ماما.. بصي بس من غير صوت. كانت بتبص من الفتحة الصغيرة بين الباب والحلق. قربت وبصيت أنا كمان.
المشهد اللي شفته خلى الدنيا تسكت جوايا. الحاجة زكية مكنتش تعبانة ولا قاعدة على كرسي زي ما كنت متخيلة، كانت واقفة في الصالة بكامل نشاطها، لابسة طقم أنيق وبتتكلم وتضحك بصوت واضح. حواليها ستات بيحطوا مفارش وورد على الترابيزة، وعلى السفرة كتالوجات أكل وكروكيات لتنظيم الكراسي كأنهم بيجهزوا لمناسبة كبيرة. وأشرف كان واقف بينهم بهدوء، لابس القميص اللي جبتهوله في عيد جوازنا، شكله مرتب ومرتاح.
وفي اللحظة دي سمعت الحاجة زكية بتقول بصوت واضح
أول ما يخلص موضوع الطلاق، شيرين هتيجي تعيش هنا شوية لحد ما نعمل الليلة الكبيرة اللي تليق بينا ده أحسن بكتير.
الاسم وقع في ودني تقيل. وبعدين كملت كلامها وقالت جملة خلت صدري يضيق
أصل هناء عمرها ما كانت مناسبة لعيلتنا.
أنا هناء.
مريم كانت لسه ماسكة إيدي وسألتني بصوت صغير ماما بابا هنا ليه؟
في اللحظة دي كان ممكن أعمل ألف حاجة كان ممكن أخبط الباب، أصرخ، أو أواجههم كلهم. لكن بدل ده كله، حصل العكس تمامًا. نزل عليا هدوء غريب جدًا. طلعت موبايلي بهدوء وفتحت الكاميرا وسجلت كل حاجة الأصوات، الكلام، التحضيرات، وكل الوجوه اللي جوه الشقة. وبعد كده سحبت مريم بهدوء ونزلنا السلم من غير ما حد يحس بينا.
طول الطريق للعربية كنت ساكتة. مريم كانت بتبصلي مستغربة وتسألني إحنا مش هندخل؟ ابتسمت لها ابتسامة خفيفة وقلت لأ يا حبيبتي خلينا نرجع البيت دلوقتي.
لكن جوايا كان في قرار اتخذ.
رجعت البيت، حطيت مريم تنام، وقعدت لوحدي في الصالة أبص للموبايل. الفيديو كان واضح كل كلمة اتقالت فيه كانت دليل كفاية على كل حاجة حصلت. في الصبح، لبست هدومي وروحت لمكتب محامي معروف في منطقتنا. حكيتله كل اللي حصل، وورّيته التسجيل.
المحامي سكت شوية وبعدين قال اللي معاك ده كفاية يغير مجرى القضية بالكامل.
بدأنا الإجراءات بهدوء. أنا ما قلتش لأشرف أي حاجة. فضل يكلمني كل يوم بنفس
الحكاية أمي تعبانة محتاجة رعاية. وأنا أرد بهدوء وكأن كل حاجة طبيعية.
بعد حوالي أسبوعين، طلبت منه يجي البيت عشان موضوع مهم يخص مريم. جه وهو فاكر إن كل حاجة زي

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى