قصص قصيرة

اختـ ـفت سباحة

أدخل البطاقة في جهاز مخصص، موضحًا أنه سيقوم أولًا بإنشاء نسخة طبق الأصل للحفاظ على البيانات الأصلية دون أي تعديل أو خطړ.
وقف جاك خلفه، متوترًا يراقب الشاشة، بينما كانت الملفات تُنقل ببطء، وكل ثانية تمر كانت تبدو له أطول من سنوات الانتظار.
بعد دقائق، فتح إيثان أول ملف فيديو، وفجأة امتلأت الشاشة بوجه ميا، لتتوقف أنفاس جاك وكأن الزمن تجمد في تلك اللحظة.
كانت حية، تبتسم، وشعرها المبلل ملتصق برأسها، بينما كانت تثبّت الكاميرا على العوامة، في مشهد بدا عاديًا لكنه حمل ثقل السنوات كلها.
انبعث صوتها من السماعات، مشوشًا قليلًا بسبب الرياح، لكنها كانت واضحة، تقول إنها تختبر الكاميرا وتستعد لتسجيل تدريبها في ذلك اليوم.
أظهرت اللقطات قيام ميا بتثبيت كاميرا GoPro بعناية على العوامة، واضعة إياها بزاوية تسمح بتسجيل اقترابها من الماء أثناء السباحة، بدقة تخطيط واضحة تعكس احترافيتها.
بدت ميا سعيدة ونشيطة، بنفس الروح التي يتذكرها جاك، حيوية، مليئة بالطاقة، وكأن شيئًا لم يكن يثقل قلبها أو يشير إلى المصير الذي ينتظرها لاحقًا.
في المقطع التالي، ظهرت ميا وهي تسبح بجوار العوامة، تقترب من الكاميرا، وتبدأ الحديث مباشرة، بينما كان صوت أنفاسها المتقطعة يعكس شدة التدريب الذي تخوضه.
قالت وهي تلهث قليلًا إن ذلك هو اليوم الثاني والأربعون من التدريب الأولمبي، وأن مدربها يرى تحسنًا في قدرتها على التحمل، لكنها لا تزال بحاجة لتحسين تقنياتها.
تنهدت فجأة، وتغيرت ملامحها إلى الجدية، وكأنها تخلت للحظة عن قناع القوة الذي كانت تحافظ عليه دائمًا أمام الآخرين.
تساءلت بصوت منخفض إن كانت مؤهلة حقًا لهذا المستوى، موضحة أن الضغط كبير، وأنها تشعر بأنها بعيدة عن مستوى المنافسين الأقوياء الذين ستواجههم.
أضافت أنها تخشى أنه حتى لو وصلت إلى الألعاب الأولمبية، فقد تجد نفسها غير قادرة على المنافسة، وربما تحرج نفسها أمام الجميع دون أن تحقق أي إنجاز.
انقبـ . ــض حلق جاك وهو يستمع، فقد كانت تلك أول مرة يدرك فيها أن ميا كانت تحمل كل تلك الشكوك بداخلها دون أن تخبره.
استمر التسجيل، بينما واصلت ميا الحديث، لكن فجأة انقطع تركيزها، وتحولت نظرتها إلى جانب الكاميرا، وكأن شيئًا غير متوقع جذب انتباهها.
رفعت رأسها قليلًا، ثم حيّت شخصًا خارج نطاق التصوير، بنبرة طبيعية، وكأن اللقاء لم يكن مقلقًا بالنسبة لها في تلك اللحظة.
بعد ثوانٍ، دخل شاب إلى الكادر وهو يسبح، لكن وجهه لم يكن واضحًا بالكامل، بسبب قطرات الماء التي غطت عدسة الكاميرا.
أظهرت زاوية التصوير الجزء العلوي فقط من رأسه، عينيه وشعره المبلل، بينما بقيت ملامحه غير مكتملة، مما جعل التعرف عليه أمرًا صعبًا.
تحدث الشاب بصوت ودود، مشيرًا إلى أنه لم يتوقع رؤية أي شخص في هذا المكان البعيد، وكأن وجودها هناك كان مفاجأة غير معتادة.
أجابت ميا ببساطة أنها تتدرب، دون إظهار أي توتر، وكأنها معتادة على التعامل مع الغرباء حتى في أماكن معزولة كهذه.
عرّف الشاب نفسه باسم مارتن، وأشار إلى أن السباحة بمفردها في هذا المكان تنطوي على مخاطرة كبيرة، خصوصًا في هذا العمق والبعد عن الشاطئ.
أوضحت ميا أنها تتدرب للألعاب الأولمبية في سباقات المياه المفتوحة، وهو ما بدا أنه أثار إعجابًا واضحًا لدى الشاب.
رد مارتن بدهشة، معبرًا عن إعجابه، وسألها إن كانت ستصبح مشهورة، بينما بدت نبرته مزيجًا من الفضول والانبهار الحقيقي.
ضحكت ميا بخفة، موضحة أنها لم تصل بعد إلى هذا المستوى، وأنها لا تزال في بداية طريقها، تعمل بعيدًا عن الأضواء دون شهرة حقيقية.
أخبرها مارتن أنها تبدو محترفة بالفعل، ثم اقترح عليها سباقًا وديًا للمتعة، مشيرًا إلى أنه كان يشارك في سباقات أثناء دراسته الجــ ـامعية.
وافقت ميا بابتسامة، وسألته عن وجهة السباق، بينما بدا أن الأجواء تحولت فجأة إلى تحدٍ بسيط بدلًا من لقاء عابر.
أشار مارتن نحو نتوء صخري بعيد، مقترحًا السباحة إليه ثم العودة، كمسار مناسب لسباق قصير في تلك المنطقة المفتوحة.
عدّلت ميا نظارتها الواقية،

وأبدت موافقتها، ثم استعدت للانطلاق، دون أن تدرك أن هذا القرار البسيط سيغير مصيرها بالكامل.
خرج الاثنان من نطاق الكاميرا، تاركين خلفهما مشهدًا هادئًا، حيث استمرت الكاميرا في تسجيل حركة الأمواج فقط دون أي حدث يُذكر.
مرّت نحو نصف ساعة، لم يظهر خلالها شيء سوى البحر الهادئ، وكأن الزمن توقف، قبل أن يقطع المشهد ظهور مفاجئ في الخلفية.
ظهر قارب سريع في الأفق، يعبر بعيدًا عن العوامة، بينما شوّهت عدسة الكاميرا ذات الزاوية الواسعة المسافة، مما جعله يبدو أبعد مما هو عليه.
لم تلتقط الكاميرا سوى الجزء السفلي من القارب، بما في ذلك جزء من هيكله، حيث ظهر شعار شركة غير واضح بسبب الزاوية والبعد.
انحنى جاك للأمام، يحدق في الشاشة بتركيز شديد، وكأن هذا التفصيل الصغير قد يكون المفتاح الذي يبحث عنه منذ سنوات.
سأل بصوت متوتر إن كان بالإمكان تحسين الصورة، محاولًا قراءة الشعار، أملًا في أن يقوده ذلك إلى خيط جديد يكشف الحقيقة.
أومأ إيثان برأسه، ثم أوقف الفيديو مؤقتًا، وبدأ في تكبير الصورة على القارب، ورغم التحسين بقيت التفاصيل ضبابية قليلًا، لكن الشعار ظهر بشكل يكفي للتعرّف عليه.
بدا الشعار كأنه موجة منمقة، مع بعض النصوص أسفلها، وهو ما أثار انتباه جاك فورًا، إذ شعر أنه رأى هذا الرمز من قبل في مكان ما.
همس جاك بأن الشعار مألوف، ثم أخرج هاتفه بسرعة، والتقط صورة للشاشة، وكأنه يخشى أن تضيع هذه الفرصة أو يفقد هذا الخيط المهم.
استمروا في مشاهدة التسجيل، لكن ميا لم تظهر مجددًا، واستمرت الكاميرا في تسجيل البحر الفارغ لساعات طويلة، حتى انتهت البطارية وتوقف التسجيل تمامًا.
شعر جاك بقلق متزايد، ثم طلب من إيثان العودة إلى المقطع الذي ظهر فيه الشاب، صوته يحمل توترًا واضحًا ورغبة في التقاط أي تفصيلة.
أعاد إيثان تشغيل اللقطات، وبدأوا في تحليل المشهد مرة أخرى، محاولين ملاحظة أي تفاصيل إضافية عن مارتن قد تساعد في التعرف عليه.
دوّن إيثان ملاحظات دقيقة حول مظهره، مثل عمره التقريبي، ولون شعره، وبعض ملامح وجهه المحدودة التي ظهرت رغم تشوش الصورة.
استخد.م إيثان تقنية البحث العكسي عن الصور، وبعد لحظات من التحليل، تمكن من العثور على تطابق واضح مع شعار القارب الظاهر في الفيديو.
أعلن أن الشعار يعود لشركة تُدعى أوشن إيليت مارين، وهي شركة محلية تقد.م خد.مات القوارب والمعدات الخاصة بالرياضات المائية في المنطقة.
في تلك اللحظة، تذكر جاك أنه رأى قوارب تحمل نفس الشعار في المرسى في وقت سابق من ذلك اليوم، مما زاد من شعوره بأهمية الاكتشاف.
أكد إيثان أن هذه المعلومة ستكون بداية قوية للتحقيق، وأنهم سيعرضون كل ما توصلوا إليه على المحقق مورغان لاتخاذ الخطوات التالية.
أوضح أنهم سيبدؤون التحقيق في الشركة، إضافة إلى محاولة تحديد هوية الشاب الذي عرّف نفسه باسم مارتن من خلال تحليل اللقطات.
كما أشار إلى أنهم سيعملون على إنشاء صورة تقريبية للرجل، اعتمادًا على التفاصيل القليلة المتاحة، في محاولة للوصول إلى هويته الحقيقية.
أومأ جاك برأسه ببطء، بينما اختلط داخله شعور بالأمل والخۏف، فالحقيقة باتت قريبة، لكنها قد تكون أكثر قسۏة مما يتوقع.
شكرهم بصوت صادق، وطلب أن يتم إبلاغه بأي جديد فورًا، غير قادر على الانتظار أكثر بينما تتكشف خيوط القصة تدريجيًا.
ألقى نظرة على ساعته، وأدرك أنه مضطر للمغادرة سريعًا لحضور الفعالية التي التزم بها مسبقًا، رغم أن ذهنه لم يعد حاضرًا بالكامل.
أخبرهم بأنه سيغادر الآن، لكنه سيتواصل معهم لاحقًا، ثم غادر المركز بخطوات سريعة، بينما كانت أفكاره تتسارع بشكل لا يمكن إيقافه.
بعد أربع سنوات من الانتظار، أصبح لديه أخيرًا دليل ملموس، خيط يقوده نحو الحقيقة، وكان مصممًا على ألا يضيعه مهما كلفه الأمر.
عند وصوله إلى مركز النادي الرياضي، وجد المكان يعج بالحركة، مع لافتات أولمبية تزين الجدران، وأصوات الحضور تملأ القاعة بالحيوية.
انتشرت رائحة الكلور القاد.مة من حوض السباحة القريب، بينما كان المتطوعون يوجهون الضيوف، وتم تجهيز منصة صغيرة في مقد.مة القاعة للمتحدثين.
لاحظ أحد المنظمين وصول جاك، فتوجه نحوه بسرعة، معبرًا عن قلقه من تأخره، ومشيرًا إلى أن موعد صعوده إلى المسرح يقترب.
اعتذر جاك وهو يتبعه إلى الخلف، مؤكدًا أنه لم يقصد التأخير، بينما حاول إبعاد أفكاره عن الكاميرا وما تحمله من أسرار.
طلبت منه المنسقة الجلوس قليلًا، موضحة أنهم سيقومون ببعض التعديلات البسيطة على مظهره قبل صعوده، لتجنب تأثير الإضاءة القوية عليه.
كان التحضير سريعًا وبسيطًا، مجرد لمسات خفيفة، فالمناسبة كانت مجتمعية، وليست حدثًا إعلاميًا ضخمًا يتطلب تجهيزًا معقدًا.
حاول جاك التركيز على خطابه الذي أعده مسبقًا، لكن عقله ظل يعود إلى ميا، وصوتها، ومارتن، والقارب الذي مر في الخلفية.
اقترب منه أحد المنظمين وسلمه زجاجة ماء، وأخبره أن أمامه خمس دقائق فقط قبل صعوده إلى المنصة وإلقاء كلمته أمام الحضور.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى