قصص قصيرة

بعد خمسة أيام حكايات رومانى مكرم

“إنتي كنتي عارفة؟ أخوكي قـ,ـتل أبويا؟”

سلمى هزت راسها بالنفور:

“ياسين مقـ,ـتلوش بقصد، بس العربية كانت متهالكة والفرامل قطعت، وهو خاف على مستقبله فقرر يهرب.. وماما هي اللي اقترحت عليه يقرب منك عشان يراقبك، ولما لقاكي غنية ومعاكي تعويض كبير، الطمع عماه.”

شيرين مسكت الفلاشة بقوة وقالت وهي بتنهج:

“ياسين مش بس هيخرج من الفيلا دي، ياسين هيدخل السجن بتهمة القـ,ـتل الخطأ والتستر والتلاعب.. وإنتي يا سلمى، ميرفت هانم، كلكم هتتحاكموا!”

سلمى ضحكت ضحكة يأس:

“ماما ماتت يا شيرين.. من نص ساعة بالظبط في المستشفى.. ضغطها مستحملش الصدمة.”

شيرين اتجمدت.. الخبر نزل عليها زي التلج. ميرفت ماتت، وياسين بقى قـ,ـاتل، وهي واقفة في وسط فيلا فخمة مبنية بدم أبوها.

فجأة، تليفون شيرين رن.. كان ياسين!

ردت وصوتها خالي من أي مشاعر:

“عايز إيه يا ياسين؟”

ياسين رد بصوت غريب، هادي بزيادة، صوت حد معندوش حاجة يخسرها:

“شيرين.. أنا قدام البوابة.. ومعايا ‘جالون بنزين’.. لو مخرجتيش بالتنازل عن الفيلا وعن كل حاجة، هحرق البيت ده باللي فيه.. أنا مابقاش عندي أم ولا مستقبل، فمش هسمحلك تاخدي الماضي كمان.”

شيرين بصت للفلاشة اللي في إيدها، وبصت لسلمى المنهارة، وقررت قرار أخير ملهوش رجعة.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

شيرين وقفت ورا شباك الدور التاني، شافت ياسين وهو بيفرغ البنزين حوالين مدخل الفيلا بجنون. النار كانت في عينيه قبل ما تكون في الكبريت اللي في إيده. سلمى كانت بتص-رخ وبتترجاه يوقف، بس هو كان خلاص فقد عقله.

فتحت شيرين الشباك وصوتها طلع قوي وهادي، هدوء يخلي الجبان يترعب:

“ولّع يا ياسين.. احرق الرخام والعفش والشجر.. احرق كل حاجة، بس النار دي مش هتحرق الحقيقة اللي في إيدي دلوقتي.”

ياسين وقف مكانه، وبص لفوق وهو بيتنفس بصعوبة:

“حقيقة إيه؟ إنتي خلاص أخدتي كل حاجة.. مش هسيبك تتهني بلحظة راحة فيها!”

شيرين رفعت الفلاشة والظرف الأسود في الهوا:

“السر اللي في الخزنة يا ياسين.. السر اللي دفعنا تمنه دم أبويا.. أنا عرفت إنك مش بس طماع، إنت كنت بتهرب من جـ,ـريمة قـ,ـتل.. البنزين اللي في إيدك ده هو اعترافك الأخير، لو ولعت، هتبقى بتأكد إنك قـ,ـاتل، ولو وقفت، يمكن ربنا يرحمك من نار الآخرة.”

ياسين إيده اتسمرت.. الكبريت وقع من صوابعه في الطين. وقع على ركبه وسط ريحة البنزين والمطر، وبدأ يصرخ صرخة مكتومة وجعها هز جدران الفيلا اللي كان فاكرها حصنه، وطلعت سجن لروحه.

في اللحظة دي، النور بتاع عربيات البوليس ظهر من بعيد.. سلمى هي اللي بلغت عشان تلحق أخوها من نفسه.

شيرين نزلت وفتحت الباب، وقفت قدام ياسين وهو مكلبش بالأصفاد، بصت في عينيه وقالت جملة واحدة:

“أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي هترجع حقي، بس اكتشفت إن أعظم انتقام هو إنك تسيب الظالم يواجه حقيقته قدام نفسه.. أنا مشيت وسيبتلك ‘البيت’، بس إنت اللي ضيعت ‘الوطن’.”

بعد شهور.. شيرين باعت الفيلا بكل ذكرياتها، واتبرعت بجزء كبير من الفلوس لمستشفيات الحوادث صدقة جارية على روح والدها. ياسين لبس البدلة الزرقاء، مش بس عشان الديون، لكن عشان يواجه عقوبة التستر على حـ,ـادثة والداها.

الحكمة من القصة:

> “لا يُبنى مجدٌ على أنقاضِ قلوبِ الآخرين، ولا يُحفظُ مالٌ دُفِعَ فيه ثمنُ الضمير. فالحقُّ كالشمس، قد تغيبُ خلف سُحبِ الباطلِ حيناً، لكنها حين تشرق، تحرقُ كلَّ الأقنعة وتكشفُ الوجوهَ على حقيقتها. البيوتُ تُبنى بالحب والصدق، أما التي تُبنى بالخداع، فهي مجردُ جدرانٍ باردة تنتظرُ لحظة الانهيار.”

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى