قصص قصيرة

بعد خمسة أيام حكايات رومانى مكرم

بعد خمسة أيام من الطلاق، سألتني حماتي:

“إنتي لسه هنا ليه؟”

ابتسمت بهدوء وقلت:

“عشان البيت ده مدفوع من فلوسي.”

ساعتها وشها شحب فجأة.

بعد خمس أيام بالظبط من ورقة طلاقي، حماتي وقفتلي على باب السفرة وهي ماسكة فنجان القهوة ومربعة إيدها، كأن البيت ده ورثته عن جدودها.. مش بس البيت، دي كانت بتتنفس بـ “منظرة” كأن الأكسجين بتاعها لوحدها.

بصتلي بقرف من فوق لتحت.. وأنا كنت واقفة حافية، لامة شعري أي كلام بالبنسة، ولابسة ترينج بيتي مريح، وقاعدة براجع فواتير النقاشين والكهرباء على الترابيزة اللي أنا منقية خشبها ودافعة تمنها قرش صاغ.

قالتلي بصوتها الناعم “المس-موم” اللي بتطلعه لما تحب تجـ,ـرح وهي عاملة فيها هانم:

حكايات رومانى مكرم

“إنتي لسه قاعدة هنا بتعملي إيه يا شيرين؟”

فجأة الصمت حل في المكان..

برا كان المطر بيخبط في شجر الجنينة بتاعة الفيلا في “الشيخ زايد”..

وجوه مفيش غير صوت تكتكة الساعة.. وصوت التلاجة وهي بتفصل.

“ياسين”، طليقي، كان نازل على السلم.. وأول ما سمع الجملة، رجليه اتسمرت في مكانها.

ابتسمت ببرود يحرق الدم.. وحطيت القلم على الترابيزة بالراحة وقلت:

حكايات رومانى مكرم

“أصل البيت ده مدفوع من شقايا وفلوسي يا طنط.”

وش “مدام ميرفت” اصفرّ فجأة كأن حد ضـ,ـربها قلم، والدم هرب من عروقها.

ياسين فضل واقف مكانه زي التمثل، وأخته الصغيرة “سلمى” كانت لسه بتمد إيدها تاخد حتة كيكة، سحبت إيدها بسرعة كأن الكيكة اتكهربت.

حماتي لعلعت وقالت بسرعة:

“لأ طبعاً.. إنتي أكيد بتهزري يا حبيبتي، ده كلام ده؟”

رديت وأنا باصة في عينيها:

“أنا مابعرفش أهزر في الفلوس.”

ياسين نزل باقي السلم وهو شادد على إيده ومنفعل:

“يا شيرين.. بلاش طريقتك دي دلوقتي، مش وقته خالص.”

لفيت الكرسي وبصيت له في عينه:

“أنهي وقت بالظبط؟

وقت ما كنت بتترجاني من سنتين أفك شهاداتي وأديك فلوس التعويض عشان تسند شركتك ونشتري الفيلا دي؟

ولا الصيف اللي فات لما كانت مامتك بتقول لكل القرايب إن ده بيت ‘ياسين بيه’ وتعب شقاه؟”

حماتي بوقها اتفتح من الصدمة، وياسين كان بيجز على سنانه من الغيظ والكسرة قدام أهله.

الفيلا دي..

حكايات رومانى مكرم

بمساحتها، ورخامها، وحمام السباحة اللي فيها..

كانت أكبر فخر ليهم قدام الناس، وأكبر كدبة عاشوا فيها.

كل العيلة كانت فاكرة إن ياسين هو “السبع” اللي بنى المجد ده، وهم من كتر ما كذبوا الكذبة.. صدقوها.

بس الحقيقة كانت توجع..

المقدم والقسط الأكبر كان من فلوسي..

فلوس التعويض اللي خدتها لما والدي اتـ,ـوفى في حـ,ـادثة طريق غادرة..

فلوس كنت مستعدة أرميها في النار بس يرجعلي يوم واحد مع أبويا.

ياسين كان واعدني إنه مش هيلمس مليم منها.. بس الطمع يقل ما جمع.

ودلوقتي، وأنا واقفة في المطبخ بعد الطلاق، وحماتي بتعاملني كأني ضيفة تقيلة دمها غلس..

فهمت إنهم افتكروا إن بمجرد ما الورقة طلعت، أنا هلم هدومي وأمشي وأسيب لهم “الورثة”.

ياسين ضحك ضحكة صفرا وقال:

“إنتي خلاص استلمتي ورقتك.. ومضيتي على كل حاجة.”

قلتله وأنا قايمة من على الكرسي وبكل ثقة:

“بس إنت شكل مالحقتش تقرأ “المخالصة” اللي مع المحامي.. ولا عرفت هي شاملة إيه.”

حماتي بصت لابنها برعب وقالت:

“شاملة إيه يا ياسين؟ انطق!”

بصتلهم هما التلاتة وقلت كلمة واحدة هزت الحيطان:

“شاملة الحقيقة.”

ساعتها إيد مدام ميرفت بدأت تترعش وفنجان القهوة اتهز في إيدها..

#الكاتب_رومانى_مكرم

لأن السؤال مابقاش “أنا لسه هنا ليه؟”

السؤال الحقيقي بقى: “يا ترى حد فيكم لسه يملك سنتيمتر واحد في البيت اللي إنتوا قاعدين فيه ده؟”

الصمت كان مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس ميرفت وهي بتنهج من الصدمة كان مسموع بوضوح.. الفنجان وقع من إيدها على الرخام واتكسر ميت حتة، والقهوة اتدلقت على الأرض زي بقعة سودة بتعلن نهاية “البرستيج” الكداب.

ياسين وشه بقى لون الكفن، وصوته طلع مهزوز وهو بيحاول يسيطر على الموقف:

“إنتي قصدك إيه يا شيرين؟ مخالصة إيه؟ إنتي مضيتي على التنازل عن المؤخر والنفقة مقابل الطلاق الودي.. ده اللي اتفقنا عليه!”

ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع وسخرية في نفس الوقت، وطلعت موبايلي وفتحت صورة من عقد “وعد بالبيع” ومخالصة بنكية مؤرخة قبل الطلاق بشهرين:

“ياسين.. إنت نسيت إنك عشان تاخد القرض الأخير وتنقذ شركتك من الإفلاس، كان لازم ترهن الفيلا؟ ونسيت إنك لما عجزت عن السداد، أنا اللي سددت المديونية بالكامل للبنك؟”

قربت منه خطوة وأنا شايفة الرعب في عينيه:

“المخالصة اللي مضيت عليها الصبح عند المحامي ما كانتش بس عشان الطلاق.. دي كانت إقرار منك بأن الفيلا دي بالكامل، بحديقتها، بحمام السباحة اللي مامتك بتتمنظر بيه، بقت ملكي ‘خالصة’ مقابل الديون اللي سددتها عنك.. يعني من الآخر يا ياسين، إنت بعت البيت ده ليا عشان ماتتسجنش.”

مدام ميرفت صرخت وهي ماسكة قلبها:

“باع إيه؟ يبيع بيت العيلة لمين؟ إنتي أكيد نصابة.. يا ياسين رد عليها! قول لها إنها بتكذب!”

ياسين كان باصص للأرض، إيده كانت بتترعش وهو مش قادر يرفع عينه في عين أمه ولا في عيني.. الحقيقة المرة كانت أقوى من أي كدبة رسموها.. الغرور اللي كان مالي الوشوش اتبخر في ثانية.

سلمى أخته، اللي كانت دايمًا بتبصلي بتعالي، قعدت على الكرسي وهي مذهولة:

“يعني إحنا.. إحنا ملناش مكان هنا؟”

بصيت لها بهدوء وقلت:

“أنا مش زيهم يا سلمى.. أنا مش هرميكم في الشارع في نص الليل والمطر شغال.. بس ‘مدام ميرفت’ كانت بتسأل أنا لسه هنا ليه؟ وأنا جاوبتها.. السؤال دلوقتي ليكم إنتوا: هتقدروا تعيشوا في بيت ‘شيرين’ اللي كنتم بتهينوها فيه؟”

ياسين رفع راسه فجأة، وعينيه كانت مليانة غل ممزوج بكسرة:

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى