
سـنين العُـمر الضـايع كـاملة بقلـم منـي السـيد
الست عايدة كانت ملفوفة بالبطانية الكحلي اللي دايمًا بحطها على رجليها، شعرها متمشط، وقميصها مقفول بانتظام، ووشها منور بفرحة هشة لست عجوزة فاكرة إنها رايحة تزور ابنها. بصت لمحمود وللست اللي واقفة ورا الباب، وابتسمت بضعف وهي مش فاهمة حالة التوتر اللي مكهربة الجو يا محمود يا بني.. شكلك تعبان يا حبيبي.
محمود بلع ريقه بصعوبة.
أنتي اتجننتي؟ قالها بصوت واطي وواضح عليه الغل، كأنه بيحاول يصغر الكارثة بكلامه المكتوم ما ينفعش تجيبها هنا كده فجأة!
فضلت ساندة إيدي بخفة على يد الكرسي المتحرك. بهدوء.. وبقصد. مش لأني هادية، بس عشان الغضب اللي لابس توب السكوت بيبقى وقعه أصعب بكتير من الغضب اللي في صورة صريخ. قلت له بالعكس، ينفع جدًا.. دي أمك.
أخيرًا ليلى مراته التانية نطقت
إيه ده؟ سألت وهي بتبص لمحمود مش ليا، وده عرفني كل حاجة عن طبيعة العلاقة في البيت ده. أنت قلت لي إن طليقتك غاوية دراما..متوفرة علي روايات و اقتباسات بس ما قلتش إن فيه.. فيه كدة. وشاورت بصباعها بقرف ناحية الست عايدة، وكأن المرض ده حاجة عيب المفروض تتداری قبل ما الضيوف ييجوا.
محمود بصلها بكسرة عين، كان مكسوف قدامها بطريقة عمره ما اتكسف بيها وهو بيذلني.
ليلى.. اديني ثانية واحدة بس.
فتحت الشنطة وبدأت أطلع الحاجات واحد ورا التاني
عِلب الدوا اللي عليها استيكرات بالألوان. البامبرز. كريمات الالتهابات. نوتة العلاج الطبيعي. مواعيد الأكل. سجل ضغط الدم. وكارت مكتوب فيه أرقام الطوارئ والمستشفى. حطيت كل حاجة على الترابيزة بنفس الثبات اللي كنت برتب بيه الدوا جنب سريرها الساعة ٢ الصبح طول سبع سنين.
قلت له دي الأدوية الشهرية.. دواء القلب مع الفطار، وباسط العضلات بعد الغداء، وحباية التشنجات الساعة ٨ بالليل. لازم تتقلب كل ٤ ساعات لو فضلت في السرير عشان كتفها ما يتصلبش وقرح الفراش ما تظهرش. مابتعرفش تبلع الأكل الناشف، فما تستعجلهاش.. متوفرة علي روايات و اقتباسات ولو شرقت وهي بتشرب، وقف فورًا واستنى.
ليلى وشها بقى أصفر.. مش صفرة شفقة، ولا صدمة من خيانة، دي صفرة ست اكتشفت إن الفانتازيا اللي اشترتها طلعت بمديونيات واصلة للسقف. حطت علبة الزبادي ببطء وقالت محمود.. هي بتقول إيه؟
محمود قرب مني وصوته بيترعش من الغل
وقفي التمثيل ده.. كفاية فضايح وخذيها ورجعي بيتك.
ميلت راسي شوية وقلت له بيتي؟ تقصد البيت اللي سبتني فيه أستحمى وأشيل وأأكل وأغسل وأخدم أمك، وأنت بتمثل إنك مطحون في الشغل عشان تعيش دور العريس هنا؟
محمود فكّه اتشنج..متوفرة علي روايات و اقتباسات ..والست عايدة بدأت تبص في الوشوش، وابتسامتها بدأت تختفي، والحيرة بدأت تظهر على وشها زي غيمة سودة محمود؟ في إيه يا بني؟
في اللحظة دي، ليلى بصت له وشافته على حقيقته. مش الراجل الشهم اللي مراته نكدية، ولا الابن المظلوم اللي شايل الهم.. شافت الابن اللي رمى أمه القعيدة لمراته سبع سنين، وهرب من الاثنين بفرش جديد وملايات حرير.
ليلى قالت ببطء محمود.. أنت قلت لي إن والدتك في دار رعاية فخمة.
ابتسمت بمرارة..متوفرة علي روايات و اقتباسات ..محمود بص لها وبص لي، ولأول مرة من ساعة ما شفت الرسالة، مابنش عليه الغضب، بان عليه إنه اتحاصر بالحقيقة.
قلت له لا.. الموضوع كان مريح مش أكتر.
وبعدين بصيت في عينه مباشرة وقلت الجملة اللي كنت بحفظها طول الظهرية، الجملة اللي خلت إيدي تترعش وأنا بلم هدوم الست عايدة
فيه حاجة كمان.. أنا رفعت قضية طلاق الصبح، ومباحث الأموال العامة والرقابة وصل لهم نسخ من كل الرسايل اللي بتثبت إنك أهملت والدتك القعيدة، وكنت بتسرق معاشها عشان تصرف على الشقة دي.
الدم هرب من وشهم هما الاثنين. ليلى بوقها اتفتح ومطلعتش صوت، ومحمود رجع خطوة لورا كأنه اتكعبل في السجادة. الغرفة كلها اتجمدت، مفيش حد بيتحرك غير الست عايدة، صوابعها كانت بتترعش فوق البطانية لأنها حست بالخوف اللي مالي المكان.
محمود انفجر أنتي عملتي إيه؟
رديت ببرود أنا بلغت باللي حصل.. ده حق.
نفسه بقى عالي ومضطرب ما تقدريش تثبتي حاجة!
أقدر أثبت إن الحساب اللي بينزل عليه المعاش هو اللي بيدفع إيجار الشقة دي من ٥ شهور. وأقدر أثبت إنك زورت إمضاءها في ورق التحويل، لأنك ببساطة ما تعرفش إنها لسه بتكتب حرف ال ع في اسمها بطريقة قديمة قوي من أيام الستينات. وأقدر أثبت إنك ما رحتش ولا جلسة مخ وأعصاب من اللي كنت بتدعي إنك بتروحها.. ومعايا رسايل منك بتقول لي فيها بما إنك قايمة بدور الممرضة، فما تقرفينيش بطلبات المصاريف.
ليلى بصت له وكأنها اكتشفت جثة في البيت أنت كنت بتصرف من فلوس أمك؟
محمود زعق فيها مش وقته الكلام ده!
ردت عليه بحدة أومال وقته إمتى؟ قبل ما أساعدك تغير لها الملايات ولا بعد ما أشيلها؟
الست عايدة طلعت صوت مكتوم من زورها.. مش كلمة، بس صوت كأنه جرس مكسور. نزلت فورًا على ركبي قدامها عشان أبقى في مستوى وشها، متوفرة علي روايات و اقتباسات لأن طبعي في الرعاية ما بيقفش بالأوامر أنتي كويسة يا ماما.. ما تخافيش يا ست عايدة.
محمود لما سمع الحنية في صوتي، اتنرفز بزيادة ما تقوليش يا ماما هنا!
بصيت له وبقيت زي الحديد سبع سنين.. سبع





