
سكنت ابن خالي
أنا سكنت ابن خالي في بيت أبويا وأمي الله يرحمهم “ببلاش” لـ 3 سنين.. وفي الآخر مراته طلبت مني 50 ألف جنيه في الليلة عشان أنام في بيتي!
عمري ما كنت أتخيل إن طيبة قلبي هي اللي هتضيع مني ورث أبويا وأمي، والبيت اللي ريحتهم فيه.
من تلات سنين، أبويا وأمي اتوفوا في حادثة طريق صعبة على الصحراوي، ومسابوليش غير حاجة واحدة أغلى من كل كنوز الدنيا: بيت العيلة في الحلمية.
مكنش قصر ولا فيلا في الكومباوندات الجديدة، بس بالنسبة لي كان يسوى الدنيا وما فيها.
هناك كبرت، وهناك اتعلمت أمشي.. هناك أبويا زعقلي أول مرة لما كسرت إزاز الصالون بالكورة، وهناك أمي خدتني في حضنها لما فشلت في أول شغلانة ليا وكنت فاكرة إن الدنيا اسودت في وشي.
البيت ده مكنش مجرد حيطان.. ده كان ذكريات، ووجع، وعيلة.
بس عشان شغلي محاسبة في شركة كبيرة في “إسكندرية”، مكنتش بكونموجودة في القاهرة كتير.. كنت مأجرة شقة صغيرة جنب الشغل، والبيت كان مقفول ومهجور.
لحد ما في يوم كلمتني عمتي وهي بتعيط..
ابنها “سيد”، ابن خالي اللي متربي معايا، كان خلاص هيتجوز.. بس عنده مصيبة: معهوش شقة.
أهل العروسة شرطوا عليه “يا الشقة يا مفيش جواز”، وكانوا شادين عليه ع الآخر.
قعدت أفكر ليالي.. “سيد” ده أخويا، كبرنا مع بعض في كل عيد ومناسبة.. وأنا قلبي “خس” زي ما بيقولوا لما بييجي الموضوع عند القرايب.
كلمته وقلت له:
“يا سيد، لو محتاج سكن.. بيت أبويا وأمي مفتوح لك، اقعد فيه أنت وعروستك.”
سيد سكت لحظة، وبعدين صوته اتخنق من الفرحة:
— “يا أميرة.. بتتكلمي جد؟”
— “طبعاً يا سيد، البيت مقفول ومحدش بيستفيد منه، والحي أبقى من الميت.”
— “والله ما هنسى لك الجمايل دي طول عمري يا أصيلة.”
يوم ما سلمته المفاتيح كان هيبكي، وقالي:”أنتي أختي اللي مجبتهاش أمي.”
ومراته “هناء” كانت بتبان ملاك.. ابتسامة متبتش من وشها، وكلمتين حلوين “كتر خيرك” و”تسلم إيدك”، وبتحسسني إنها مقدرة جداً اللي عملته.
كنت فاكرة إني عملت الصح.. بس اللي مكنتش أعرفه إن في ناس لما بتقعد في بيت فترة طويلة، بيتهيألها إن الحيطان بقت ملكها!
أول جرس إنذار ضرب بعد سنة..
نزلت القاهرة من غير ما أقولهم، رحت على البيت، وبحط المفتاح في الكالون.. مفتحش.
فضلت أخبط كتير لحد ما “هناء” فتحت وهي بتضحك ولا كأن في حاجة.
— “أميرة! نورتي يا حبيبتي، مكنتش أعرف إنك جاية!”
— “نورك يا هناء.. بس هو المفتاح ماله مبقاش يفتح ليه؟”
قالت لي بمنتهى البرود:
— “آه، أصلنا غيرنا الكوالين، القديمة مكنتش أمان يا حبيبتي.”
وقفت قدام باب “بيتي” مستنية حد يفتح لي عشان أدخل!
حسيت بنغزة في قلبي، بس سكت.. قلت عشان خاطرصلة الرحم والعيش والملح.
عدت سنة كمان، وبدأت أسمع كلام يوجع..
القرايب بيقولوا إن “هناء” ماشية تقول للجيران إنهم اشتروا البيت، وإن البيت بقى ملكهم.. بيت لقطة في وسط البلد وبجنينة وكمان جراج.
قلت لنفسي “معلش، يمكن بتنظره قدام الناس”، وحاولت أفوت.
لحد ما جت السنة دي.. السنة اللي عرفت فيها إن البجاحة مفيش لها حدود لما الرضا بيموت.
كنت في إسكندرية، ولقيت تليفون من “هناء”:
— “أميرة، سمعت إنك نازلة القاهرة في العيد الصغير؟”
— “أيوه يا هناء، نازلة إن شاء الله.”
قالت لي بخبث: “تنوري يا حبيبتي.. مفيش مشكلة، تقدري تقعدي معانا.”
استغربت جداً وقلت لها: “أقعد معاكم؟ ده بيتي يا هناء!”
ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
— “طبعاً بيتك.. بس إحنا حطينا (قاعدة) صغيرة للبيت دلوقتي.”
دمي جمد في عروقي.. “قاعدة إيه؟”
قالتها بالراحة وبكل برود:
— “لوعايزة تباتي هنا في العيد، الليلة بـ 50 ألف جنيه.”
أنا كنت فاكرة إني سمعت غلط..
— “بتقولي كام؟”





