قصص قصيرة

اختفت فى الغابات

بمرور الإبرة واضطر الجراح المناوب إلى تركيب قسطرة وريدية مركزية عبر الشريان تحت الترقوة. امتلأت وحدة العناية المركزة برائحة الكحول واليود والرطوبة العفنة المنبعثة من ملابسها وشعرها رغم محاولات تنظيفها.
كانت أجهزة المراقبة الحيوية تصدر إنذارات متقطعة مسجلة بطءا في ضربات القلب. كانت ميا واعية عيناها الواسعتان المحمرتان تتنقلان في الغرفة تتابعان كل حركة للأطباء لكن جسدها بقي ساكنا كأنه مشلول بالخوف.
ظهر أخطر التحديات بعد عشر دقائق حين دخل طبيب التخدير المناوب الدكتور هنري فوستر لتقييم مجرى التنفس لديها إذ كان صفير تنفسها يدل على انسداد خطير. انحنى الطبيب نحو وجهها وأشعل مصباحه وقال بهدوء
آنسة أحتاج إلى فحص حلقك من فضلك افتحي فمك قدر استطاعتك.
كان رد فعلها فوريا ومخيفا فقد توتر جسدها كله وانتفخت عضلات عنقها كحبال مشدودة وخرج من أنفها صفير حاد لكن فكها لم يتحرك ولو مليمترا واحدا.
افترض الفريق في البداية أسوأ الاحتمالات كزاز أو تشنج شديد في عضلات المضغ وهي حالة قد تسبب فشلا تنفسيا كاملا. التقط الطبيب فوستر أداة معدنية وحاول فتح الشفتين ميكانيكيا لإدخال الأنبوب متوقعا مقاومة عضلية فقط لكن ما لمسه المعدن جعله يتوقف فجأة ويتراجع خطوة.
وجاء في التقرير الطبي الأولي الذي أرفق لاحقا كدليل في القضية الجنائية وصف جاف لكنه مرعب
أثناء محاولة فتح التجويف الفموي بالأداة لوحظ اندماج مرضي للأنسجة الرخوة فقد اندمجت الأغشية المخاطية للخدين واللثة بندوب عميقة مكونة كتلة نسيجية واحدة كما أن زوايا الفم مشدودة بندوب ليفية سميكة تجعل النطق مستحيلا.
ألغى الطبيب محاولة التنبيب فورا وأمر بنقلها إلى جهاز التصوير المقطعي لفهم ما يحدث داخل جمجمتها. وبعد عشرين دقيقة ظهرت على الشاشات صورة تشرح طبيعة صمتها أكثر من أي كلمات لم يكن مرضا بل تعذيبا منظما.
أظهرت الصور أن فم ميا ظل مغلقا قسرا لأشهر طويلة بواسطة جهاز خاص ربما تصميم معدل لأداة طبية أو كمامة معدنية معكوسة العمل كانت تضغط الفكين بقوة هائلة وتثبت اللسان إلى الحنك الأعلى. وبسبب الضغط المستمر والجروح الصغيرة المتعمدة في اللسان وسقف الحلق بدأ الجسم عملية التئام لكن الأنسجة التحمت ببعضها بصورة مأساوية فقد التصق جزء من اللسان بالحنك واندفعت الخدود نحو اللثة حتى تكون جدار ليفي صلب.
كانت غير قادرة جسديا على الكلام بل حتى على الصراخ لقد تحول فمها إلى مصيدة تشريحية مغلقة بجسدها نفسه. كما أظهر التصوير ثقبا صغيرا قرب أحد الأضراس أدخلت عبره أنبوبة رفيعة لتغذيتها بالسوائل الغذائية وهي الطريقة الوحيدة لإبقائها على قيد الحياة محولة وجودها إلى دورة لا تنتهي من الألم والصمت.
عندما عاد الطبيب فوستر إلى الغرفة وعلق الصور على اللوح الضوئي شارحا الوضع لزملائه عم الصمت المكان فقد أدرك الجميع أن ما حدث لهذه المرأة لم يكن نتيجة ضياع في الغابة أو دادث عابر بل فعل إنسان أراد أن يصنع دمية صامتة.
عند الساعة الثامنة صباحا توقفت سيارة شرطة تابعة لمكتب شريف مقاطعة نيوتن أمام المدخل الرئيسي للمركز الطبي ونزل منها المحقق بيل غيل الرجل الذي تولى قضية ميا منذ اليوم الأول لاختفائها. قبل عامين كان هو من قاد فرق البحث في الغابة وهو نفسه من اضطر إلى إبلاغ والديها بانتهاء مرحلة البحث النشط.
استقبله رئيس وحدة العناية المركزة في الممر وكان الحديث قصيرا لكنه غير مسار التحقيق إذ أوضح الطبيب أن استجوابا تقليديا مستحيل لأن فم الضحية مغلق بندوب نسيجية فهي تسمع وتفهم لكن من المستحيل أن تنطق بكلمة واحدة.
دخل المحقق الغرفة 407. كانت الغرفة هادئة لا يقطع الصمت فيها إلا صوت جهاز مراقبة القلب وتنفس المريضة الثقيل الصفيري. كانت ميا مستلقية بلا حراك وذراعاها الموضوعتان فوق الملاءة البيضاء تبدوان كأنهما لامرأة أخرى بسبب ضمور العضلات الشديد.
جلس المحقق قرب سريرها ولم يخرج جهاز التسجيل بل أخرج حاسوبه اللوحي وفتح برنامج الرسم ثم قرب الشاشة من يدها وقال بهدوء
هنا حراسة وسنتقدم ببطء. أعلم أن الأمر صعب لكنني أحتاج منك أن تحاولي أن ترينا أين حدث ذلك.
أدارت المرأة نظرها ببطء نحو الشاشة ثم رفعت يدها المرتجفة ولمس إصبعها الزجاج تاركا خطا رقميا أسود
وكانت خطوطها الأولى.
ارتجف إصبعها فوق الشاشة ثم بدأت ترسم ببطء شديد خطا متعرجا يشبه طريقا ضيقا. توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها ثم رسمت دائرة صغيرة في نهاية الطريق وداخلها وضعت علامة متقاطعة. بقيت تحدق في العلامة وكأنها تنظر إلى شيء تراه وحدها ثم رفعت عينيها نحو المحقق حصريا على صفحه روايات واقتباسات فهم غيل الرسالة فورا. لم تكن خريطة دقيقة لكنها كانت كافية لتحديد الاتجاه طريق ترابي فرعي يبتعد عن المسار الرئيسي قرب النقطة التي توقفت عندها آثار الكلاب قبل عامين. ضغط المحقق على زر حفظ الصورة ثم قال بصوت هادئ
سنجد المكان.
بعد أقل من ساعتين كانت دوريات الشرطة وفريق الأدلة الجنائية يشقون طريقهم عبر الغابة الكثيفة باتجاه المنطقة المحددة. الطريق الترابي كان مهجورا تقريبا تغطيه طبقة سميكة من الأوراق المتحللة وكأن أحدا لم يمر به منذ زمن طويل. وعلى بعد نحو كيلومترين من الطريق العام ظهر كوخ خشبي قديم نصف منهار تحيط به أشجار صنوبر عالية تحجب الضوء.
بدا المكان مهجورا تماما النوافذ مغطاة بألواح
خشبية والباب الأمامي متآكل ولا أثر لأي حركة حديثة. لكن أحد
الضباط لاحظ شيئا غير متوقع آثار عجلات قديمة نسبيا عند الجانب الخلفي بالكاد ترى تحت الطين المتجمد.
دفعوا الباب بحذر فانفتح محدثا صريرا حادا تردد صداه في الغرفة الفارغة. كان الداخل مظلما ورطبا تفوح منه رائحة عفن ثقيلة. الأثاث قليل ومتهالك ولا شيء يوحي بأن أحدا عاش هناك مؤخرا. ومع ذلك كان شعور غامض بأن المكان ليس خاليا تماما.
أثناء تفتيشهم لاحظ أحد أفراد الفريق بابا خشبيا صغيرا في أرضية المطبخ يكاد يختفي تحت سجادة قديمة. عندما رفعوها ظهر مقبض معدني صدئ. تبادل الضباط النظرات قبل أن يسحب أحدهم المقبض ببطء متوفره عي روايات واقتباسات انفتح الباب ليكشف عن درج ضيق يقود إلى قبو مظلم. وما إن تسرب ضوء المصابيح إلى الأسفل حتى ظهرت أولى العلامات جدران خرسانية عليها خدوش عميقة وسلاسل مثبتة في الحائط وطاولة معدنية صدئة في الوسط. كان المكان صامتا لكن الصمت نفسه بدا ثقيلا كأنه يحتفظ بذكرى ما حدث هناك.
اقترب خبير الأدلة الجنائية من الطاولة ثم تجمد مكانه للحظة. فوق سطحها كانت هناك أدوات معدنية صغيرة مرتبة بعناية بعضها طبي الشكل وبعضها معدل بطريقة بدائية. لم يكن هناك شك هذا هو المكان الذي احتجزت فيه ميا.
في تلك اللحظة دوى صوت أحد الضباط من زاوية القبو
وجدنا شيئا هنا!
كان يشير إلى صندوق خشبي صغير خلف الجدار وعندما فتحوه ظهر داخله عدد من الدفاتر القديمة. قلب المحقق غيل الصفحات بسرعة فتبين أنها ملاحظات مكتوبة بخط واحد تسجل تواريخ وأوقاتا وكلمات مقتضبة تصف المراحل والتجارب كما لو كانت تقارير علمية باردة.
أغلق الدفتر ببطء وشعر ببرودة تسري في أطرافه. لم يعد السؤال ماذا حدث لميا بل أصبح من فعل ذلك وأين اختفى الآن
وفي المستشفى كانت ميا ما تزال مستلقية بصمت عيناها مفتوحتان تحدقان في السقف. دخلت الممرضة لتطمئن عليها فلاحظت أن يدها تحركت قليلا فوق الملاءة. وعندما اقتربت رأت إصبعها يشير ببطء نحو الطاولة الصغيرة بجانب السرير حيث وضع الحاسوب اللوحي
وعلى الشاشة تحت الخريطة التي رسمتها سابقا ظهرت خطوط جديدة كانت قد أضافتها قبل قليل
رسم لباب
وتحت الباب شكل بسيط لوجه بلا ملامح يقف خارجا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى