
لغـز الـزنزانة رقـم 9 كـاملة بقلـم منـي السـيد
أنا مستنية نصيبي.
المفاجأة الصاډمة
في الشهر التاسع من حپسها، والدنيا هادية ومستقرة، فيروز وقعت من طولها في الزنزانة. طبيب السچن كشف عليها، والنتيجة خلت الكل يضرب كف على كف.
فيروز حامل في الأسبوع ال 16!
الجنين كان حي، ونبضه واضح جداً واضح لدرجة إن صوت النبض نفسه كان كأنه بيأكد وجوده قدامهم كلهم. السچن كله اتهز، حالة من الذهول سيطرت على المكان، وإحساس غريب إن في حاجة مش طبيعية بتحصل. إزاي واحدة محكوم عليها بالإعدام، وموجودة في عزل انفرادي كامل من شهور طويلة، تحت مراقبة مستمرة، تكون حامل؟ ومن مين؟ السؤال ده فضل يتكرر على لسان كل واحد فيهم، ومفيش إجابة واحدة مقنعة.
المأمور ما استناش، أمر فوراً بفتح تحقيق شامل وتفريغ كاميرات المراقبة لكل الشهور اللي فاتت، يوم بيوم وساعة بساعة، من غير ما يسيبوا تفصيلة واحدة. الكل كان متوقع يشوف حاجة واضحة خېانة من حارس، إهمال، أو حتى تسلل مستحيل أي تفسير منطقي يريحهم. لكن لما قعدوا قدام الشاشات، وبدأوا يراجعوا اللقطات واحدة واحدة، ويجمعوا التفاصيل الصغيرة الحقيقة اللي ظهرت قدامهم كانت أبعد من أي توقع.
الصمت ساد المكان صمت تقيل ومخيف، ومحدش قدر ينطق بكلمة واحدة من هول اللي شافوه.
الحقيقة المذهلة
الكاميرات
أظهرت إن فيروز كانت كل يوم، في نفس التوقيت بالظبط الساعة 12 بالليل
كأنها ميعاد مقدس ميعاد ثابت ما بيتغيرش
تتحرك بهدوء
شديد
تقعد على طرف السرير الأسمنتي
وتبص حواليها كأنها بتتأكد إن مفيش حد شايفها
رغم إن الكاميرا كانت شايفة كل حاجة
لكن يمكن كانت محتاجة تحس إنها لوحدها
حتى لو للحظات.
كانت تدخل إيدها تحت هدومها
وتطلع صورة صغيرة
صورة قديمة
متهالكة من كتر اللمس
لكن واضحة
صورة هنا.
تقرب الصورة من وشها
وتبص لها بنظرة كلها حنين
نظرة أم شايفة عمرها كله في ورقة صغيرة
وتبدأ ټعيط
مش عياط عالي
لا
ده عياط مكتوم
عياط بيكتم نفسه
كأنها خاېفة حتى من صوت حزنها.
كانت تضم الصورة لصدرها
وتهمس بكلام محدش سامعه
غير ربنا
خلي بالك منها يا رب
أنا مش معاها بس إنت معاها
الدقايق كانت بتمر ببطء
وكل يوم نفس المشهد
نفس اللحظة
نفس الدعاء
لكن
ده ما كانش كل اللي الكاميرات سجلته
الصدمة الحقيقية
بدأت تظهر في التفاصيل الصغيرة
اللي محدش خد باله منها في الأول
فيروز
بخبرتها كممرضة
كانت بتفكر
مش كأي حد
كانت بتسيب جزء من أكلها
مش عشان مش جعانة
لكن عشان عندها هدف تاني
كانت بتخبي حاجات بسيطة جدًا
حاجات محدش يتخيل إنها ممكن تتحول لوسيلة
وسيلة لقرار كبير
قرار مصيري
مع الوقت
اتضح إنها كانت مهربة أدوات صغيرة جدًا
أنابيب دقيقة
وأدوات بسيطة
ما تبانش خطېرة
لكن في إيد حد فاهم
تبقى حاجة تانية خالص
اللي شافوا الفيديوهات
بدأوا يركزوا
كل حركة
كل ثانية
كل تفصيلة
وكانت المفاجأة
إن فيروز كانت بتحاول
بكل هدوء
وبكل إصرار
تنفذ حاجة محدش كان يتخيلها
كانت بتنفذ عملية
تلقيح ذاتي
من عينات
كانت محتفظة بيها من قبل كل اللي حصل
من وقت كانت لسه عايشة حياة طبيعية
من وقت كانت لسه بتحلم
إنها تبني بيت
وأسرة
وتدي لبنتها أخ
هي ما كانتش بتخطط لچريمة
هي كانت بتخطط لحياة
لكن الحياة قلبت عليها فجأة
ومع
ذلك
ما استسلمتش.
فضلت شايلة الفكرة جواها
وفضل معاها الأمل
حتى وهي بين أربع حيطان
و أقفال
وكاميرا ما بتغمضش
فيروز
ما كانتش حامل بالشكل اللي الكل فاهمه
فيروز كانت شايلة قرار
شايلة خطة
شايلة حياة زرعتها بإيديها
بإرادتها
وبقلب أم
كانت عارفة كويس القانون
وعارفة إن الست الحامل
ما ينفعش يتنفذ فيها الحكم
غير لما تولد
وطفلها يكبر شوية
يعني
وقت.
وهي كانت محتاجة وقت
مش أكتر
وقت تطمن فيه إن هنا كبرت شوية
وقت تعدي فيه المرحلة الأصعب
وقت تحاول توصل لها رسالة
حتى لو من بعيد
كانت بتعمل كل ده
مش عشان تهرب
ولا عشان تعيش لنفسها
كانت بتحارب
بس بطريقتها
بتحارب المۏت
بالحياة.
كل يوم
كانت بتقرب الصورة من قلبها
وتقول لنفسها
أنا لسه أم ولسه عندي دور
وكل محاولة
كانت خطوة
خطوة صغيرة
لكن في طريق طويل
طريق عنوانه
الأمل
رغم كل شيء.
لما الحقيقة دي ظهرت قدامهم
الكل سكت.
مش عشان مش فاهمين
لكن عشان فاهمين زيادة عن اللزوم.
فاهمين إن اللي قدامهم
مش مجرد قضية
ولا مجرد حكم
دي حكاية أم
وصلت لآخر الطريق
ومع ذلك
رفضت النهاية.
المأمور كان واقف
باصص للشاشة
وعينه مليانة دموع
قفل الفيديو بهدوء
وكأن المشهد تقيل عليه
واتنهد
وقال بصوت واطي
بس كل اللي في الأوضة سمعوه
دي مش مچرمة
وسكت لحظة
وكمل
دي أم حاربت المۏت بالحياة





