قصص قصيرة

س الصمت في الوحوش

الجزء التاني

الصمت في الحوش كان تقيل لدرجة إنك تسمع بس دندن الفراشات حوالين الصاج. كريم كان مستني رد، وفكه متوتر. لارا تنفست بتمثيل، طلعت موبايلها وابتدت تكتب، وهمهمة عن “الناس اللي في القرى اللي بتستغل فلوس الغير”.

— سألتك سؤال يا ماما —أصر كريم، وهو بيشير للطفلين بنظرة استهزاء—. أنا سافرت عشان أطلعك من الفقر، ورجعت ألاقيك بتربي ولاد مش ولادي! شوفِ نفسك! عظامك بارزة. البيت واقع. بتعملي معروف لمين؟ لجارة كسولة؟

الحاجة فاطمة فكت إيدين العيال بهدوء. انحنت على مستوى عمر ونور.

— روحوا أوضه وابقوا جوا لحد ما أنا أناديكم —همست لهم.

الطفلين أومأوا وجروا حافيين على الأرض الترابية، واختفوا في ظلمة البيت.

فاطمة مسحت إيديها المليانة بالعجين على المريلة. مشيت ناحية ابنها. في عينها ماكانش خوف، بس حزن عميق لدرجة إن كريم حس إنه مش قادر يتنفس.

— مش ولاد غريبين يا كريم —قالت فاطمة، بصوت خشن بس واثق—. والفلوس اللي بعتهم… اللي بتقول إنك بعتهالي عشان أعيش زي الملكة، ماكفوش حتى أول 3 سنين من الأمراض والحليب والحفاضات والجزم.

— إيه الكلام ده؟ —قطع هو، محتار—. حفاضات إيه؟

فاطمة ما ردتش على طول. دخلت البيت، وجرّت رجليها. كريم ولارا فضلوا في الحوش.

— قلتلك يا كريم —سخرت لارا—. في القرى الناس كتير مستغلة. أكيد أخدت ولاد قرايبها واعتبرتُك ماكينة فلوس. المفروض نروح فندق في المدينة، مش نايمة في العشش ده.

قبل كريم ما يرد، فاطمة خرجت تاني. شايلة في إيديها صندوق حديد قديم، صدئ من الأطراف، نفس الصندوق اللي كانت بتحط فيه البسكويت اللي كريم كان بياكله وهو صغير. مشت لحده وحطته في إيده على صدره بقوة لدرجة إنه اضطر يمسكه عشان ما يوقعش.

— افتحه —أمرت فاطمة.

كريم، مضايق ومحتار، رفع الغطاء. جوه كان في شوية إيصالات طبية، رسالة قديمة، وشهادتي ميلاد.

أول ورقة كانت شهادة ميلاد. عيونه وقعت على الحروف المطبوعة.

الاسم: عمر حسني

الأم: نهى حسني

كريم حس إن الدنيا وقفت. نهى… صاحبته أيام المدرسة. البنت اللي سابها وهي بتعيط في موقف الأوتوبيس من 9 سنين، واعده يرجع لها بعد سنة. ابتلع ريقه، ونظر للسطر اللي بعده.

الأب: كريم حسني

— لأ… —همس، ورجع خطوة ويده بدأت ترتجف، الورق اتقشر. مسك الورقة التانية.

الاسم: نور حسني

الأب: كريم حسني

لارا قربت تحاول تبص فوق كتفه.

— إيه ده؟ بيقول إيه؟ —سألت وهي مكتظة بالغضب من وش خطيبها الشاحب.

كريم ما سمعهاش. صوت دمه في ودانه كان أعلى من أي حاجة. وقع الأوراق في الصندوق وأخذ الرسالة الصفراء. كانت كتابة نهى، مؤرخة 8 شهور بعد ما سافر أمريكا.

“الحاجة فاطمة: مقدرتش. أقسم إني حاولت. كريم مش بيرد على الموبايل، دايمًا مشغول بحياته هناك. أنا معنديش أكل للولاد التوأم. محرجه أوي، بس سايبهملك. دمهم دمك. سامحني.”

— لما نهى جات على بابي في ليلة العاصفة —صوت فاطمة كسر الصمت، متردد في الحوش— كانت شايلة طفلين في حرارة عالية. الاتنين عندهم 3 شهور بس. هي كانت هزيلة، ومحتاجة مساعدة. وانت بقالك مش بتتصل. ولما كنت بتكلمك، دايمًا بتقول في اجتماع، أو بتقفل صفقة، وما عندكش وقت لشكواي البسيطة.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى