قصص قصيرة

س الصمت في الوحوش

كريم وقع على ركبته في التراب. الصندوق انقلب، كل الأدلة على إهماله انتشرت على الأرض.

— كنت عايزة أقولك الحقيقة يا كريم —كملت أمه، ولأول مرة بعد 9 سنين، دمعة نزلت على خدها—. كنت هقولك لما عمرهم سنة وعمر مش قادر يمشي. لما وصلوا 4 سنين ونور كادت تموت من حمى. بس كل مرة بنتكلم، كنت بتتباهى بسيارتك الجديدة، وشغلك. وعرفت لو قلتلك عندك ولاد، هترجع عشان الواجب، زعلان، وتكرههم إنهم دمروا حياتك الكبيرة. وأنا ماكنتش هسمح لأحفادي يعيشوا والكره في عيون أبوهم.

— ماما… أنا… ماكنتش أعرف… —كريم بكى، وحط إيده على وشه. التراب اختلط بدموعه على هدومه الغالية.

— بعت كل أراضي! —صاحت فاطمة، كل الألم اللي في قلبها طلع—. بعت كل أراضي جدك! كسرت ركبتيي أطحن ذرة 18 ساعة في اليوم! الفلوس اللي بعتها وقفت لما فتحت شركتك، كنت تبعتلي فتات كل 3 أو 4 شهور. كل اللي شايفه هنا… سقف مكسور، هدوم قديمة… ده ثمن عشان ولادك ما يروحوش يتيم أو يشتغلوا في الشارع.

لارا، لما فهمت الوضع، ضحكت بسخرية.

— ده الجنون! كريم، قوم. لسه محطوطلك ولاد منين مش عارفين. نهى أكيد عملت اللي هي عايزاه. مش هنتحمل…

— اطلعي! —صوت كريم كان وحشي ورايح على كل الحي. قام فجأة، وعيونه حمرا، وأشار للعربية—. اطلعي في عربيتك وروحي! وما ترجعش تفتح فمك هنا تاني!

لارا اتصدمت، زعلت، لكن لما شافت الغضب في عيني كريم، شدّت شنطتها ومشت بسرعة للشارع الرئيسي، وهي تسب بهدوء.

كريم فضل لوحده مع أمه. قرب منها، لكنه ماقدرش يمسها. حس إنه أسوأ إنسان على وجه الأرض. بدل طفولة ولاده بالفلوس والساعات الطويلة، سيب أمه العجوز تشيل المسؤولية عنه.

— سامحني —توسل، بصوت مكسور—. ماما، سامحيني بالله. كنت غبي، أعمى.

فاطمة بصّت له. قلبها كأم، رغم كل الألم والضغينة، ماقدرش يكرهه. بس كمان مش هتسهّل عليه الأمور.

— مش أنا اللي لازم تطلب مني السماح —قالت وهي تشير للأوضة المظلمة ورا—. عندك ولاد عندهم 9 سنين فاكرين إن أبوهم مات، عشان كان أسهل عليهم من الحقيقة.

الليلة دي، كريم ما نامش في فندق. نام على الأرض، قدام أوضة العيال. الصبح بدري، الساعة 4، لما فاطمة صحيت تولّع الصاج، لقت كريم صاحي، بيقطع الحطب ويحضر الذرة. لابس تيشيرت قديم ومغطى بالسواد.

الأيام كانت صعبة. أول شهرين، نور ما بصتش في عينيه. عمر كان بيرد بكلمة واحدة. كريم ما حاولش يشتري حبهم بهدايا أو لعب غالية. فهم إن 9 سنين غياب ما تتعوضش بالفلوس.

قرر يقعد. باع نص شركته في أمريكا. باع العربية السودا، واشتري عربية شغل مستعملة. بإيده، وبخبرته في البناء، بدأ يهدم الحيطان المتكسرة ويبني حيطان بالطوب.

يوم من الأيام، كريم كان بيخلط أسمنت تحت الشمس الحارقة، عمر قرب بحذر، شايل كباية ميّة كركديه.

— جدتي قالت لو ما شربتش ميّة، هتقع زي ما حصل معاها مرة —قال وهو مده له الكباية.

كريم مسح العرق، شرب الكباية وابتسم بعينيه المليانة دموع.

— شكراً يا بطل.

الأسبوع اللي بعده، نور قعدت جنبه وهو بيثبت عوارض السقف الجديد. سألت بصوتها الخجول لو في الشمال السقوف كمان كانت بتسيل. كانت أول محادثة حقيقية بينهم.

الوقت بدأ يشفي الجروح شوية بشوية. كريم لقى نهى في قرية جنبهم بعد 6 شهور. ماكانش في صراخ، بس محادثة طويلة مليانة دموع وندم. اتفقوا إنها هتشوف العيال كل ويك إند. ما بقوش مع بعض كزوجين، بس اتعلموا يبقوا أهل.

عدت سنتين. بيت القرية ما بقاش سقفه واقع. فيه 3 أوض جديدة، دهان جديد، وحوش مليان ورد. في نص الحوش، تحت شجرة ليمون، فاطمة قايمة على كرسي هزاز جديد. ما بقتش تصحى 4 الفجر، ولا ركبها بتوجعها من طحن الذرة.

كريم فتح شركة صغيرة في القرية. كل يوم 5 العصر، عربيته المتربة واقفة عند الباب. وكل يوم، العيال يجروا يعانقوه ويصرخوا: “بابا!”

أحياناً، الحياة بتديك أقوى ضربة مش عشان تهدمك، لكن عشان تصحيك. كريم اتعلم بالطريقة الصعبة إن النجاح الحقيقي مش بالفلوس اللي تبعتها، لكن باللحظات اللي تكون فيها موجود. اتعلم إن حب الأم قادر يشيل العالم كله بصمت.

وأهم حاجة، اتعلم إن عمره ما فاتش فرصة ترجع، تبلع كبرياءك، تطلب السماح، وتعيد بناء العيلة من الصفر. المرة دي، بالصدق والشغل على الأرض، من غير وعود فارغة.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى