
لا تصرخن
في الليل، كان صوتها كخيطٍ رفيع يربطنا بالعالم من قبل. كانت تُتمتم بأبياتٍ تعلمناها في المدرسة، كلماتٍ عن الحب والربيع والحرية. في تلك الزنزـ,ـانة الجليدية النتنة، كان يظهر ضوءٌ للحظات. كنا نُغمض أعيننا ونتخيل حدائق، أصواتًا بشرية بلا أوامر أو صيحات. كانت لحظات التضامن هذه هي تمردنا.
ثم جاءت الفحوصات. كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام. كنا نُستدعى حسب القائمة. الفحص الأول: الطول، الوزن، الأسنان. الثاني: الأمراض. الثالث: اللياقة البدنية. الرابع: ما أسموه نقاء العرق. خضعنا لها واحدة تلو الأخرى. مع كل جولة، كان عددنا يتناقص. من لم يستوفِ المعايير نُقل إلى جناح آخر؛ لم نره ثانية. كنا نعلم أن شيئًا لا رجعة فيه يحدث خلف ذلك الجدار.
كنا نرى الدخان يتصاعد من الملحق الصغير في الفناء، دخان ذو رائحة حلوة غريبة يلتصق بملابسنا وشعرنا. في أحد الأيام، همست كاثرين وهي ترسم إشارة الصليب: “ليس الخشب هو ما يحـ,ـترق يا عزيزتي، إنه أملنا”.
حاولنا ألا نفكر في الأمر، متشبثين بكل ساعة نكسبها. تعلمنا أن نكون سعداء ببساطة لأننا لم نُستدعَ في ذلك اليوم. لكن القائمة استمرت في الظهور، وأصبحت الكلمة الأكثر رعبًا في قاموسنا هي “الفحص الخامس”. لم يكن أحد يعلم ماهيته، لكن أولئك الذين غادروه لم يعودوا قط، ولا حتى إلى الجناح الآخر. كان الحديث عنه يُهمس به وكأنه حكم إعـ,ـدام يُنفذ قبل المـ,ـوت نفسه.
كان اسمي، ألكسندرا بيلوت، يظهر بشكل متزايد في القوائم. كنت شابة، معافاة، ومؤهلة طبيًا. أثار هذا اهتمامهم. فحص الأطباء يديّ، يحركّون أصابعي لاختبار مرونتها. كانوا يتحدثون فيما بينهم بلغتهم كما لو كنتُ حصانًا أصيلًا. في أحد الأيام، وضع أحدهم، رجل ذو يدين جافتين شبه شفافتين، أصابعه الباردة على رقبتي وهمس شيئًا للآخرين. أومأوا برؤوسهم بارتياح. سرى قشعريرة باردة في عمودي
الفقري. أدركت حينها أنني قد اختيرت لشيء مميز، شيء يتجاوز مجرد العمل القسري. عانقتني ناتالي عندما رأت وجهي بعد الفحص. كنا نعلم ذلك: الدائرة تضيق. كل يوم، بدت الجدران أقرب، والهواء أثقل.عشنا في ترقب لنقطة الانهـ,ـيار، اللحظة التي ستسحقنا فيها هذه الآلة تمامًا.





